أردوغان يقرّ بدور أربيل في دعم السلام مع العمال الكردستاني

منذ سنوات بدأت حكومة الإقليم بتنسيق غير معلن في الغالب مع الحكومة الاتحادية في بغداد، بجهود وساطة تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني ما أدى في النهاية لعقد اتفاق السلام وتجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد.
أربيل عملت على تهيئة الظروف لعقد لقاءات غير مباشرة بين ممثلين عن حزب العمال ومسؤولين أتراك
أردوغان يرى أن تركيا انتصرت بعد تسليم حزب العمال الكردستاني سلاحه

أنقرة/أربيل - أثنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على الدور البارز الذي لعبته حكومة إقليم كردستان العراق، إلى جانب الحكومة العراقية، في دفع عملية السلام قدمًا بين تركيا وحزب العمال الكردستاني مشيدا بالخطوة التي قام بها عدد من مقاتلي الحزب بإلقاء أسلحتهم وتدميرها في محافظة السليمانية، ومشيراً إلى أن هذه الخطوة تمثل "بداية لمرحلة جديدة من السلام في تركيا والمنطقة بأسرها".
وفي كلمة ألقاها السبت في العاصمة أنقرة، أمام حشد جماهيري، عبّر أردوغان عن تقديره العميق للمسؤولين في أربيل، قائلاً "نشكر جميع من ساهم في دعم مسار السلام في تركيا، ولا يمكننا أن نغفل دور حكومة إقليم كردستان في تهيئة الأجواء لهذا التقدم".

لا يمكننا أن نغفل دور حكومة إقليم كردستان في تهيئة الأجواء لهذا التقدم

ولطالما سعى إقليم كردستان العراق إلى ترسيخ استقراره السياسي والأمني، ليس فقط على الصعيد الداخلي، بل في محيطه الإقليمي كذلك. ومنذ سنوات، بدأت حكومة الإقليم، بتنسيق غير معلن في الغالب مع الحكومة الاتحادية في بغداد، بجهود وساطة تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، المصنّف كمنظمة إرهابية من قبل تركيا وعدد من الدول الغربية.
الخطوة الرمزية التي شهدتها مدينة السليمانية الجمعة، والتي تمثلت بتدمير ثلاثين مقاتلاً كردياً أسلحتهم أمام وسائل الإعلام وبإشراف من شخصيات محلية، جاءت نتيجة لأسابيع من المشاورات والوساطات التي أجرتها أربيل، بالتعاون مع بغداد وعدد من القنوات الدبلوماسية الخلفية.
وتشير مصادر مقربة من حكومة الإقليم إلى أن أربيل عملت على تهيئة الظروف اللوجستية والسياسية لعقد لقاءات غير مباشرة بين ممثلين عن حزب العمال ومسؤولين أتراك، في محاولة لتقريب وجهات النظر والوصول إلى تفاهم مبدئي يمهد لنزع السلاح تدريجياً مقابل ضمانات أمنية وسياسية.
من جهتها، لعبت الحكومة العراقية دوراً مكملاً في هذه الجهود، عبر ضبط الحدود والمساعدة في تسهيل اللقاءات اللوجستية، دون الانخراط المباشر في تفاصيل التفاوض. وقد أعرب أردوغان عن امتنانه للحكومة العراقية، قائلاً "نشكر بغداد لدعمها لقواتنا الأمنية في جهودها ضد الإرهاب، ولدورها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة".
وبينما تحفظت بغداد على التعليق الرسمي بشأن هذه التطورات، تؤكد مصادر دبلوماسية أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قد وافق على دعم المسار كجزء من رؤية أوسع لاستقرار الإقليم وتخفيف التوترات التي قد تؤثر على الأمن القومي العراقي.
ووصف الرئيس التركي، الذي أعلن تشكيل لجنة برلمانية لمتابعة مسار السلام وصياغة المتطلبات القانونية له، هذه المرحلة بأنها "يوم جديد لتركيا القوية"، مشدداً على أهمية السير قدماً نحو تسوية تنهي أكثر من أربعة عقود من النزاع المسلح الذي أودى بحياة نحو 50 ألف شخص، بينهم آلاف الجنود والمدنيين.
لكن هذا الانفتاح لا يخلو من التحفظات. فقيادة حزب العمال الكردستاني، ممثلة بالرئيسة المشتركة بيسه خوزات، طالبت في تصريحات صحفية من العراق، بضمانات قانونية ودستورية قبل السماح بعودة المقاتلين إلى تركيا، محذّرة من أن أي تسوية دون هذه الضمانات قد تنتهي إلى "سجون أو قبور"، على حد تعبيرها.
لا يمكن النظر إلى هذه التطورات بمعزل عن التغيرات التي تشهدها المنطقة. فالتقارب التركي-الإيراني، والتغيير السياسي في سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الاسد بالإضافة إلى الانشغال الأميركي بموازنة الأوضاع في شمال سوريا والعراق وتداعيات الحرب على غزة والصراع الاسرائيلي مع ايران كلها عوامل دفعت أربيل إلى لعب دور الوسيط، ليس فقط لحماية استقرارها، بل لإثبات قدرتها على أن تكون طرفاً إقليمياً مؤثراً.
وقد سبق لحكومة الإقليم أن نجحت في تنظيم حوارات غير مباشرة بين قيادات من حزب العمال وأطراف سياسية كردية داخل تركيا، بهدف خفض حدة التوتر وفتح نافذة للحل السياسي، بعيداً عن السلاح.
في ظل هذه التطورات، يبقى مستقبل الاتفاق الناشئ رهناً بقدرة الأطراف على تحويل النوايا السياسية إلى خطوات ملموسة على الأرض. لا تزال الأسئلة مفتوحة حول جدول زمني لنزع السلاح، وشكل الضمانات التي سيحصل عليها مقاتلو الحزب، وإمكانية دمجهم في الحياة المدنية.
ومع أن الطريق لا يزال طويلاً، إلا أن مساهمة إقليم كردستان العراق، بدعم من بغداد، تعطي مؤشراً على أن إرادة السلام بدأت تتغلب على منطق السلاح. ويبقى الدور الذي تلعبه أربيل في هذا الملف مثالاً على كيف يمكن للسياسة أن تفتح ما أغلقته البنادق لعقود.