أزمات معقدة تحدُّ من قدرة دول الساحل على تمويل القوة الموحدة

مخاوف من عدم قدرة هذه المبادرة على تحقيق الاستقرار المنشود في الساحل الإفريقي، خاصة في ظل توقف الدعم الغربي.

نيامي - تواجه دول الساحل الأفريقي، النيجر، مالي وبوركينا فاسو، تحدي تمويل القوة الموحدة التي أعلنت عنها مؤخراً لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، في وقت تعاني فيه البلدان الثلاثة من أزمات اقتصادية خانقة واضطرابات أمنية، مما يثير تساؤلات جدية حول قدرتها على دعم قوة عسكرية مشتركة بشكل مستدام وكافٍ، خصوصاً بعد توقف الدعم الغربي.

وفي ظل هذه التحديات، ما تزال هناك مخاوف من ضعف قدرة هذه المبادرة على تحقيق الاستقرار المنشود، خاصة مع ارتفاع وتيرة النزوح، وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة مراراً.

تأسيس التحالف والأهداف المشتركة

وأعلنت دول الساحل في يناير/كانون الثاني 2025 عن استعدادها لنشر قوة مشتركة قوامها 5 آلاف جندي، ومقر قيادتها المركزية في العاصمة النيجرية نيامي، وفقاً لتصريحات وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي ورئيس المجلس العسكري عبدالرحمن تشياني.

ويرى الباحث المغربي في الشؤون الأفريقية، زكرياء أقنوش، أن القوة الموحدة هي امتداد لتحالف الدفاع المشترك الذي وقعته دول الساحل في سبتمبر/أيلول 2023، بالتزامن مع فرض عقوبات من قِبَل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس".

وأضاف أقنوش أن التنسيق العسكري بين هذه الدول يهدف إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة واستمرار تفعيل التحالف الثلاثي، مشيرا إلى أن التهديد الأمني لا يزال قائماً، وأن النتائج المحققة على صعيده تتسم بالتذبذب.

تحديات النزوح والأزمة الإنسانية

ومن جملة التحديات الكبرى التي تواجه تفعيل هذه القوة الموحدة، الوضع الإنساني المتدهور في المنطقة. إذ نشرت الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي تقريراً يشير إلى وجود نحو 4 ملايين نازح في منطقة الساحل بسبب أعمال العنف وانعدام الأمن.

وفي هذا السياق، حذر عبدالرؤوف غنون كوندي، المدير الإقليمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في غرب ووسط أفريقيا، من أن هذا العدد يمثل زيادة تقارب الثلثين مقارنة بخمس سنوات مضت، مشيرا إلى أن 80 بالمئة من النازحين قسراً هم من النساء والأطفال، وأن انعدام الأمن يعرضهم للعنف والتجنيد القسري.

دوافع تشكيل القوة 

وعن أسباب تشكيل القوة الموحدة، أكد أقنوش أن "هذا التكتل الثلاثي يعتبر امتداداً لتحالف دفاع مشترك بين دول الساحل، تزامناً مع عقوبات فرضتها الإيكواس"، موضح أن الهدف الرئيسي هو مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والقضاء على المنظمات الإجرامية، إلى جانب وجود تعاون سياسي ودبلوماسي لتعزيز التبادل التجاري والثقافي.

وكانت الدول الثلاث قد وقعت على "ميثاق ليبتاكو ـ غورما"، المؤسس لتحالف دول الساحل بهدف إنشاء هيكلية للدفاع المشترك والمساعدة الاقتصادية المتبادلة.

وفي أوائل العام 2024، أعلنت البلدان الثلاثة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 72 مليون نسمة، انسحابها من "إيكواس". ودخل القرار حيز التنفيذ في 29 يناير/كانون الثاني 2025. وعزت انسحابها إلى "الافتقار إلى الدعم الملموس من إيكواس في الحرب ضد الإرهاب"، ورأت أن المنظمة "انحرفت عن أهدافها الأصلية" و"تخضع للتلاعب من جانب قوى خارجية". 

خطوات صدامية وتحولات في الشراكات

بدوره وصف الخبير المغربي تأسيس القوة الموحدة بأنه "خطوة جماعية تبنتها الدول الثلاث"، لافتا إلى أنها تأتي في سياق "الخروج من بعض المنظمات الدولية والإقليمية التي تعارضت استراتيجيتها مع ما تتبناه تلك الهيئات".

ولم يقتصر الأمر على "إيكواس"، بل انسحبت الدول الثلاث بشكل مشترك من المحكمة الجنائية الدولية في 22 سبتمبر/أيلول 2025، وقطعت علاقاتها بـالمنظمة الدولية للفرانكفونية في مارس/آذار 2025.

ويرى أقنوش أن "هذه الخطوات الصدامية وجدت في معظمها مستوى كبيراً من القبول الشعبي، ما شكل حافزاً قوياً للعسكر للمضي قدماً، حيث ترسخت في أذهان الكثير من مواطني هذه الدول أن الأنظمة العسكرية الحاكمة تنشد السيادة والاستقلال".

وفيما يتعلق بالشراكات الخارجية، أشار أقنوش إلى أنه "تم استبدال شركاء جدد بآخرين تقليديين، وكذلك قوات أجنبية جديدة بأخرى". ورغم إشارته إلى أن بعض الإجراءات أثمرت نتائج ملموسة، خصوصاً في إعادة التفاوض مع الشركات لرفع حصص الاستفادة من المعادن، فإنه ختم بقوله إن "الواقع يشير إلى أن البدائل التي تقدمها هذه الأنظمة العسكرية الانتقالية لا تكاد تختلف كثيراً في بعض جوانبها عما كان قائماً، والأهم أن التهديد الأمني لا يزال قائماً".