أزمة اتحاد الشغل التونسي تطيح بأمينه العام
تونس – قدّم الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي الثلاثاء، استقالته، وفق ما أكّده الأمين العام المساعد والناطق الرسمي باسم الاتحاد سامي الطاهري، فيما ينظر الى هذه الخطوة بأنها نتاج الأزمة الحادة داخل الاتحاد والخلافات في المكتب التنفيذي التي وصلت نقطة اللاعودة.
وأضاف الطاهري، في تصريح لـوكالة الأنباء التونسية "وات"، أن الطبوبي أودع استقالته بمكتب الضبط، وقد تسلّمها الأمين العام المساعد المكلّف بالنظام الداخلي، دون أن يقدّم تفاصيل بشأن دوافع هذه الخطوة.
وبيّن الطاهري أن الاستقالة لا تفعّل بشكل فوري، باعتبار أن القانون الداخلي للاتحاد ينص على دعوة المعني بالأمر خلال 15 يوما للاستفسار عن أسباب استقالته ومحاولة ثنيه عنها، ثم تصبح نافذة في حال تمسّكه بها.
وأشار إلى أن عدة لقاءات ستعقد خلال الأيام القليلة القادمة داخل الهياكل النقابية لتدارس الخطوات التي سيتم اتخاذها تباعا، في ظلّ التطورات الأخيرة.
وكانت انباء قد انتشرت خلال الفترة الماضية حول استقالة الأمين العام المساعد للاتحاد والمسؤول عن قسم الدراسات، أنور بن قدور، غير أن الطاهري نفى صحة هذه المعلومات، مؤكدا أن "الأمين العام المساعد المسؤول عن النظام الداخلي لم يتسلم أي استقالة في هذا الشأن".
وتأتي استقالة الطبوبي في ظرف دقيق تشهده المنظمة الشغيلة، على خلفية خلافات داخل المكتب التنفيذي حول موعد وطريقة عقد المؤتمر القادم، المبرمج مبدئيا لبداية سنة 2026، وهو ما زاد من حدّة التوتر الداخلي خلال الفترة الأخيرة.
وذكر مسؤول نقابي أن خلافات عميقة نشأت داخل الاتحاد تتعلق بتمسك الطبوبي بالمؤتمر الوطني في مارس/آذار 2026 في حين برزت أطراف أخرى داخل الاتحاد تؤيد بشدة تأجيل المؤتمر، واستحالة التوافق وهو من أحد الأسباب التي دفعت الطبوبي للاستقالة.
وأفاد ذات المصدر أن اجتماعا عاجلا يعقد حاليا للمكتب التنفيذي للاتحاد، مشيرا إلى بروز عدة أسماء تطمح لتقلد منصب الأمين العام للاتحاد.
وأكد الصحفي المختص في الشؤون النقابية سفيان الأسود، بأن الاستقالة تشي بعمق الأزمة أكثر داخل المنظمة الشغيلة وبمقدار الانقسام داخل قيادتها.
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يضم مليون عضو والذي لعب دورا رئيسيا في الانتقال الديمقراطي في تونس بعد عام 2011، لكنه يواجه عدة انتقادات بسبب مواقفه السياسية ومحاولته لي ذراع الحكومة بالإضرابات حيث أعلنت النقابة عن إضراب عام وطني سيتمّ تنظيمه في يناير/ كانون الثاني المقبل ما جعل العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطات تشهد توتراً حاداً.
ومارس اتحاد الشغل على امتداد العامين الأخيرين ضغوطا بهدف استعادة دوره كشريك رئيسي في المسار السياسي ودعا مرارًا إلى حوار وطني شامل وحقيقي يضم كل الأطياف والقوى الاجتماعية للخروج مما يسميها "أزمة".
ورفض الرئيس التونسي قيس سعيد الرضوح لما يعتبرها محاولات ابتزاز وأكد في أكثر من مناسبة رفضه صيغة الحوار التقليدية التي يدعو إليها الاتحاد، كما وصف المنظمة بأنها جزء من منظومة الفساد، مما أضعف صورة الاتحاد أمام جزء من الرأي العام الذي يؤيد مسار سعيد.
وأصدرت الحكومة في وقت سابق قرارات ألغت بموجبها التفرغ النقابي للموظفين في القطاع العام، وهو تقليد يسمح بالإبقاء على أجور النقابيين الذين يشغلون مناصب في المنظمة، بهدف إجبارهم على العودة لوظائفهم أو الاستقالة، مما يقلص من عدد قيادات الاتحاد المتفرغة ومن كوادره النشطة.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، جدد اتحاد الشغل، التأكيد على استعداده لخوض حوار مع السلطات للتفاوض حول المطالب الاجتماعية، ملوحا في المقابل بالتصعيد في ظل ما قال إنه "رفض" الحكومة فتح باب المفاوضات.
وداخلياً، تصاعدت الانتقادات تجاه الطبوبي الذي دفع في العام 2020 نحو تعديل الفصل 20 من النظام الداخلي الذي يتيح له وبقية أعضاء المكتب التنفيذي الترشح لأكثر من دورتين.
وانطلق الطبوبي من قاعدة العمل النقابي عندما ترأس عام 1990 النقابة الأساسية لشركة اللحوم الحكومية بضاحية الوردية جنوب غرب العاصمة تونس.
وتدرج في سلم المسؤوليات النقابية إلى عضو الفرع الجامعي للفلاحة (نقابات وسطى لقطاع الفلاحة تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل) ثم عضوية الاتحاد الجهوي بتونس العاصمة أكبر الاتحادات الجهوية وأكثرها ثقلا انتخابيا.
ثم تولى الطبوبي منصب كاتب عام للاتحاد الجهوي بتونس عام 2009 ليصعد إلى المكتب التنفيذي للاتحاد خلال المؤتمر 22 المنعقد بمدينة طبرقة شمال تونس في ديسمبر/كانون الأول 2011.
وخلال هذه الفترة الفاصلة بين ديسمبر/كانون الأول 2011 ويناير/كانون الثاني 2017 شغل أهم منصب في الاتحاد بعد خطة الأمانة العامة وهو منصب النظام الداخلي.
وأصبح الطبوبي أمينا عاما للاتحاد العام التونسي للشغل خلفا لحسين العباسي، بعد أن أفرزت انتخابات المؤتمر الـ23 للاتحاد الذي انتهت أعماله يوم 26 يناير/كانون الثاني 2017، فوز قائمة "الوحدة النقابية" التي يرأسها الطبوبي بكافة مقاعد المكتب الجديد ليخلف بذلك حسين العباسي الذي قاد النقابة في مرحلة ما بعد الثورة.
ووفق التقاليد الانتخابية النقابية في الاتحاد، فإن رئيس القائمة الفائزة يصبح تلقائيا أمينا عاما للاتحاد (أعلى منصب به)، وهو ما أعلن على الصفحة الرسمية للاتحاد.