أسامة يوسف موهبة غيَّبها الموت

كاتب قصة 'فؤاد قد يكون صالح' صور بطلها تصويرا دالا يكشف عن قدرات كبيرة في تحريك عملية السرد.
محمود الديداموني
القاهرة

ظهرت العديد من التجارب المهمة في مجال النشر، كمبادرات فاعلة لتشجيع المواهب الحقيقية في مجال الكتابة الأدبية على الاستمرار، سواء كان ذلك شعرا أم سردا.. عبر نصوص تحمل معايير الكتابة الفنية.. وكان لدار أكتب دورا مهما في تقديم العديد من هذه التجارب، قدمت فيها عددا كبيرا للحياة الثقافية والأدبية كغيرها من الدور التي آمنت بمثل هذه الأفكار وفاعليتها، ومن هؤلاء الشباب الذين قدمتهم هذا الشاب أسامة يوسف أبو وردة  في قصته "فؤاد قد يكون صالحا" من مجموعة "أسوديم"، ومن الوهلة الأولى لعنوان النص كعتبة من عتباته نجده ملتبسا منفتح على كثير من التأويل، ماذا يقصد الكاتب هنا ؟

عنوان مراوغ للنص هل يقصد فؤاد الشخصية أم يقصد الفؤاد الذى بين جنبينا، ثم ذكر مفردة مهمة تفيد الاحتمالية "قد" تلك التي آفاقا للاتفاق والرفض.

تبدأ حركة السرد بالوصف المكاني، وصفا مشهديا يتناسب مع فكرة النص ومشهديته السينمائية، فيقدم شخصية الممثل فؤاد صالح / بطل النص، شخصية معروفة لدى المشاهد بانحرافها، وبموته وهو يؤدى مشهدا إيمانيا يثير جلبة حوله، وهو ما يعود بنا إلى طرح العنوان، هل يعد فؤاد صالح صالحا أم غير ذلك ؟

هذا الحدث البسيط نسج حوله الكاتب حكاية تقترب من الحكاية الشعبية حيث أصبحت سيرته على كل لسان وفى كل الأماكن، جدل النقاش بين الناس حول تقبل الله له بعد طول الحياة التي قضاها بعيدا عن التعاليم والقيم الأخلاقية والدينية، كيف يتحول بين طرفة عين وانتباهتها من الضد إلى الضد.

الكاتب يطرح عبر فضاء النص أسئلة عديدة على ألسنة شخصياته، مراوحا بين المشهدية السردية السينمائية والسرد الفني للقصة القصيرة، مع تقديمه لردود أفعال الشخصيات على اختلاف مشاربها .

لقد صور الكاتب أسامه يوسف شخصية فؤاد صالح بطل القصة تصويرا دالا يكشف عن قدرات كبيرة في تحريك عملية السرد، من خلال رصده لمشهد الخشوع الإيماني على سجادة الصلاة، ومدى المهارة التي تلبست الممثل فؤاد صالح فيقول: "واستمر في دعائه حتى بلغ مرحلة إيمانية جعلت عينيه تدمعان، فسجد لله خشوعا، استمر ساجدا لفترة ليست بالقليلة، نهض بعدها وسار يجرجر أقدامه كأنها تأبى أن تفارق سجادة الصلاة".

ويستكمل تقديم مشهده راسما انعكاس هذا الخشوع على الشخصية فيقول : "تمدد في وضع النوم وأغمض عينيه وعلى شفتيه ابتسامة رضا وسعادة".

بينما يحاول العاملون حول الكاميرا  الحديث إليه بعد تصوير المشهد.. لكن دون جدوى، يحاولون إفاقته.. أيضا دون جدوى.. اكتشفوا أنه فارق الحياة.. بعد مشهد إيماني بديع، كان من المقرر أن يؤدى بعده عددا من المشاهد الفاضحة مع أحد الممثلات، ويظهر الحوار أحد الأدوات الفنية في تحريك السرد فيقول :

- بيقول لك كان تاني يوم هيمثل مشهد مش ولابد مع ليلى 

- ليلى مين ؟

-  ليلى يا عم – البت بتاعة الإعلانات ..

ويحسب للكاتب رصد تحولات الشخصيات في هذا النص إلى فضاء آخر رصد فيه انفعالات الأم التي تنتظر ولدها على الغداء، بينما التليفزيون في صريره حول إيجاد إجابات لاستفسارات المشاهدين والمتصلين عبر البرامج، هل الممثل فؤاد صالح سيدخل الجنة أم النار، كيف يموت وهو ساجد أو بعد أداء مشهدا تمثيليا إيمانيا عبر فيه عن الخشوع الحقيقي للمؤمن؟

وهو إذ يقدم ذلك يدخل إلى منطقة مهمة تتعلق بأهل الفتوى على شاشات التليفزيون، ومدى صلاحيتهم في الوصول لهذه الأماكن المهمة التي تصل فتواهم لكل أذن وكل بيت..

يرد الشيخ ثم يبدى رأيه المخالف لفتواه .. إن الكاتب الشاب لديه من الذكاء في هذا النص من الكشف عن سوءات عديدة طالت واقعنا الاجتماعي.

فيقول على لسان الشيخ: "ولكنى أستطيع القول، أن الممثل في النار فقد خالف حدود الله وقام بالتمثيل، وارتكب الزنا في مشاهد سابقة بأفلام مختلفة.. لآنه كان يمثل أنه عبدلله في المشهد الذي مات فيه .. وليس هذا حقيقيا بل كان تمثيلا .. فهو لم يعبد الله حق عبادته".

لقد حكم رجل الدين متعديا بذلك دوره وبما لا يتوافق مع صحيح الدين، فالله وحده الذي يحكم بالعذاب أو العفو والغفران، ولم يخوِّل أحدا من البشر بذلك . 

يبرز الكاتب عبر النص نفور الراوي/البطل من تلك الفتاوى فيقول: "تضجر من حديث الشيخ المنفر".

ثم يختتم النص القصصي بالسؤال عن الجدوى من متابعة أخبار هذا الممثل وتلك الممثلة، وكأنه يدعو إلى انشغال الناس كل بأحواله وحياته.. من باب قوله تعالى "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم".

هذا الكاتب أسامه يوسف  مبدع شاب وموهبة حقيقية لم يمهله الموت لاستكمال تجربته.

رحمه الله رحمة واسعة.