'أسرار الكتابة' بوصلة جديدة نحو عالم الإبداع

كتاب للدكتورة سارة حامد حواس يقدم حصيلةً إبداعيةً متميزةً تتضمن شهادات واعترافات لسبعة عشر كاتبًا وكاتبةً من كبار الأدباء العالميين حول طقوسهم وتجاربهم في الكتابة، مما يجعله مرجعًا ثقافيًا فريدًا يضيء جوانب هذه العملية الإبداعية بعمق وصدق.

عن الدار المصرية اللبنانية، صدر كتاب جديد من إعداد الناقدة والشاعرة والمترجمة المصرية الدكتورة سارة حامد حواس، وتحرير وتقديم الشاعر أحمد الشهاوي. الكتاب حمل عنوان "أسرار الكتابة.. كما يرويها كُتَّاب العالم".

تقول د. سارة عن انشغالها بالكتابة: "منذ نعومة أظفاري وأنا مهجوسة بالكتابة، كفعل حبٍّ ونجاةٍ. أُحبُّ كل ما له علاقة بالكتابة، أسلوبًا ومنهجًا وطقوسًا وعادات. فأثناء قراءتي لأي عملٍ أدبيٍّ، لا أهتم فقط بالموضوعات والأحداث والأفكار، بل أهتم أيضًا بمراقبة تدفق كلمات الكاتب في نصِّه، وأُدوِّن بصمة روحه فيما يكتب، وأُتابع كيف صاغ أسلوبه وصُوره وأفكاره.. ولا أكتفي بتلك التفاصيل فقط، بل أُطالع ما وراء كواليس الكتابة؛ كيف بدأ الكاتب رحلة الكتابة، وما مصادر إلهامه، وكيف وأين يكتب، وما الصعوبات التي واجهته في بداية رحلته الإبداعية. كما أهتمُّ بتفاصيل العمل الأدبي نفسه. ومن هنا، بدأت فكرة ترجمتي لنصوصٍ تتناول "عملية الكتابة" لعددٍ من كبار كُتَّاب العالم؛ فأتت تلك الفكرة من فرط حبي وشغفي واهتمامي بعملية الكتابة ذاتها. فأنا أُترجم ما يسُرُّ روحي ويثري عقلي ويُشبع شغفي واهتمامي. فالترجمة فعل حُب كما الكتابة".

أما بخصوص هذا الكتاب، تقول: "في هذا الكتاب، تناولت عملية الكتابة عند عدد من كبار الكُتَّاب العالميين المؤثِّرين في العالم العربي، فبعضهم نال جائزة نوبل في الآداب، والبعض الآخر نال جائزة البوكر الإنغليزية، ومنهم من نال جوائز أخرى كثيرة. فكان معياري في الاختيار ليس الجوائز فقط، بل قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب على التكوين الثقافي للمتلقِّي العربي. فعندما كنت أقدم على ترجمة نصوص الكتابة لأي كاتبٍ، كنتُ أبحث في مواقع التواصل الاجتماعي عن اهتمامات القُرَّاء في قراءة أعمال ذلك الكاتب أو تلك الكاتبة، وذلك عن طريق نشر أغلفة كتبهم المُترجمة، أو نشر اقتباسات منها على صفحاتهم الخاصة. كما كنتُ أتابع المقالات المكتوبة باللغة العربية عن هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب، المنشورة في مختلف المواقع والمجلات والجرائد العربية المُهتمة بالشأن الأدبي الثقافي. فهدفي الأول من هذا الكتاب هو إفادة المُتلقِّي العربي وإمداده بما يفيده ويهمه ويحب أن يقرأه عن كاتباته وكُتَّابه العالميين المُفضَّلين. فقبل أن أبدأ في ترجمة تلك النصوص، آثرتُ أن أضع نفسي في موقع القارئ وليس موقع الكاتب أو المترجم، لكي أستطيع أن أشعر شعوره، وأعرف مواطن اهتمامه لأُشبع عند المُتلقِّي رغبته في حب المعرفة بهذا الشأن. كما اهتممتُ أن أنوِّع في اختياراتي، فترجمت نصوصًا عن الكتابة لكاتبات وكُتَّاب من قارات أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا وأفريقيا وآسيا، لأقدِّم خلفيات ومدارس أدبية وثقافية واجتماعية متعددة للقارئ العربي تثري معرفته وتُحيطه بما يجري في عالم الكتابة بمختلف أنحاء العالم".

أمَّا عن الكاتبات والكُتَّاب العالميين الذين تناولتهم في هذا الكتاب، فهم: الروائي والكاتب الصحفي البريطاني ''چوليان بارنز''، والروائية التشيلية ''إيزابيل الليندي''، والروائية الأميركية ''توني موريسون''، والروائي التركي ''أورهان باموق''، والروائي والكاتب المسرحي والمترجم النمساوي ''بيتر هاندكه''، وكاتبة القصة الكندية ''أليس مونرو''، والروائية والناشطة السياسية الهندية ''أورنداتي روي''، والروائية البريطانية ''دوريس ليسنغ''، والروائي والكاتب الصحفي والأكاديمي البيروفي ''ماريو فارجاس يوسا''، والروائي والكاتب الصحفي ''غابرييل غارثيا ماركيز''، والروائي الأميركي ''ويليام فوكنر''، والروائي والكاتب الصحفي الأوروغواني ''إدواردو غاليانو''، والروائية الفرنسية ''آني إرنو''، والروائي والأكاديمي التنزاني ''عبدالرزاق قرنح''، والروائي الأميركي ''بول أوستر''، والروائي والشاعر والكاتب المسرحي والرسَّام الألماني ''غونتر غراس''، والروائي والكاتب الصحفي البرتغالي ''جوزيه ساراماغو''. ولقد جمعتُ النصوص التي ترجمتها بعد بحثٍ طويلٍ وصبرٍ ودأبٍ، فأنا لم أُترجم مقالاتٍ كاملةً، بل جمعت كل الفقرات التي يتحدث فيها الكاتبات والكُتَّاب عن الكتابة بجوانبها المختلفة من حوارات وشهادات ومقالات متنوعة.

وتعتبر هذا الكتاب بمنزلة البداية لمشروع ترجمتها في ''عملية الكتابة''؛ فكما قدَّمت سلسلة كتب لترجمة الشعر الأميركي، أُقدِّم أيضًا سلسلة كتب لترجمة نصوص عن الكتابة لكبار الكاتبات والكُتَّاب في العالم.

مقدم ومحرر الكتاب الشاعر أحمد الشهاوي في تقديمه الذي جاء تحت عنوان: "الكتابةُ مصيرٌ يختارُنا قبل أن نختارَهُ"، يرى أن سارة حواس اعتادت أن تُقدِّمَ جديدًا في كُلِّ كتابٍ تُنجزُه؛ فهي لا تُراكِم كُتبًا، ولا تبتغِي عددًا، لكنَّها تسعى دائمًا إلى أن تضيفَ مُختلفًا إلى نفسها أولًا، وللقرَّاء ثانيًا.

فإذا كان القارئ قد عرفها شاعرةً، ثم مُترجمةً بارزةً قدَّمت للقارئ مشرُوعًا مُهمًّا لترجمة الشِّعْر الأميركي الحديث والمعاصر، وصارت كل عام تُضيفُ كتابًا إلى هذا المشرُوع اللافت في تاريخ ترجمة الشِّعْر من الإنغليزية إلى العربية؛ فهي اليوم تُقدِّم في كتابها الجديد - الذي اشتغلت عليه بإصرارٍ في البحث والاختيار - "عالم الكتابة" عبر شهاداتٍ واعترافاتٍ وبياناتٍ لكُتَّاب أساسيين في العالم حازُوا أعلى الجوائز وأهمها، نعرفهم جميعًا وقرأنا لبعضِهم، ومِنَّا من قرأهم جميعًا، لكنَّها اليوم تختارُ موضُوعًا أثيرًا يهمُّ القارئ والكاتبَ معًا، كما أنه يُعدُّ مُرشدًا مُعِينًا وهاديًا مُنيرًا لا غِنى عنه في كيفيةِ الكتابة وطرائقها وطقوسها عند كلِّ كاتبةٍ أو كاتبٍ ممَّن اختارتهم الدكتورة سارة حوَّاس، التي تقدِّم خبراتها وتجاربَها في الكتابة والقراءة والترجمة لتختارَ وتترجمَ وتصنعَ لنا صورًا مكتملةً لحياة كلِّ كاتبٍ في الكتابة.

ومن يقرأ الكتابَ، سيلحظ الجهودَ التي بذلتها صاحبتُه، ولن أقول مُترجمته فقط؛ لأنَّها خلقتْ كتابًا من مئات المصادر حول العالم في موضوعٍ واحدٍ هو "الكتابة"، بمعنى أننا لسنا أمام كتابٍ مُترجمٍ، بل هو كتابٌ وضعته د. سارة حوَّاس، ليس له مثيل في مجاله من قبل.

لقد سارت سارة حوَّاس طويلًا في دُرُوب الكُتَّاب، وقطفت من أرواحهم ما يشبه الوصيَّة، أو الاعتراف، أو النداء المُستتر الذي لا يسمعُه إلَّا من يعرف أنَّ الكتابةَ ليست فعلًا، بل مصيرٌ يختارُنا قبل أن نختاره. فالقارئ سيجدُ نفسه أمام سبعة عشر كاتبًا وكاتبةً من جهات الأرض، كلٌّ منهم يُضيءُ عتمتَهُ الخاصَّة، ويشرحُ طقوسه، وحنينه، وخوفه، وما يجعل القلم يرتجفُ في يده أو يستقرُّ مثل سكينٍ تبحثُ عن جرحٍ لتفتحَه لترى الدَّم وتطمئن إليه.

ولم يكُن يسهل على سارة حوَّاس أن تُحسِنَ الالتقاطَ، وأن تختارَ من هذا العالم الواسع تلك الشهادات التي تمنحُ القارئَ لحمَ التجربةِ ودمَها، لكنَّها فعلت، وبجهدٍ يليقُ بمن تحبُّ الكتابة؛ لا لأنها مهنة، وإنما لأنها قدَرٌ يلوِّح من بعيدٍ ولا يقبلُ أن يُردَّ. وحين قرأتُ مخطوطَ هذا العمل طَوال أشهرٍ، شعرتُ كأنَّني أمام مرايا كثيرةٍ، كلّ واحدةٍ منها تعكسُ وجهًا آخر للكتابة، لم أره في نفسي من قبل، أو كنتُ أراه ولا أجرؤ على الاعتراف به. فالكاتب، في النهاية، أكثر المخلوقات خوفًا من صُورته، وأشدّهم بحثًا عنها في الوقت ذاته.

لهذا حين يعترفُ الكاتبُ - أيّ كاتبٍ - كيف يكتبُ، فهو إنما يُقدِّم قلبه إلى القارئ بلا غِلافٍ، أو جلدٍ يحميه. ولعلّ هذا الكتاب، وهو يكشف طرائقَ الكُتّاب في عمليةِ الكتابة، إنما يضع القارئ في قلب هذه اللحظة.. لحظة الارتباك الأولى التي تسبقُ السَّطر، ولحظة الانخطاف التي تلي اكتمال النص. قرأتُ شهادات الكاتبات والكتّاب كما أقرأ رسائلَ، ورسائلهم جاءت من لغاتٍ وخلفياتٍ وتجارب متباينة، لكنها تجمعُها نارٌ واحدةٌ، هي نار الكتابة التي لا تخبُو، ولا تصيرُ رمادًا، ولا تسمحُ لصاحبها أن ينجوَ منها. منهم من يكتبُ ليهربَ من نفسه، ومنهم من يكتبُ ليواجهها، ومنهم من يرى الكتابةَ خلاصًا، ومنهم من يراها لعنةً جميلةً لا يريدُ الشفاء منها.

ولم يكن هذا التنوُّع مُجرَّدَ زخرفةٍ، بل ضرورة؛ فالكتابة لا تُفهم من صوتٍ واحدٍ، بل من أصواتٍ تتداخلُ، وتتعارضُ أحيانًا، لكنها تُكمل بعضها، كما يكملُ الظلُّ الضَّوء. وفي أثناء القراءة، كنتُ أرى سارة حواس تمشي بين هذه الأصوات كمن يجمعُ شظايا نجُومٍ سقطت من سماءٍ مختلفةٍ، ليعيد ترتيبها في مجرَّةٍ واحدةٍ. هذه المهمة، التي تبدو للوهلة الأولى سهلة، هي من أصعب المهام؛ فالكتابة حين تتحوَّلُ إلى اعترافٍ، تتمرَّدُ على من يريد أن يروِّضها أو يوجِّهها، لكنَّ سارة حواس كانت تعرف كيف تنصتُ، وتلتقطُ، وتُخرج من كلِّ كاتبٍ تلك القطعة العارية التي تكشف جوهر الروح.

وحين وصلتُ إلى نهاية الكتاب، أدركتُ أنَّ القارئ لن يغلقه كما فتحه؛ سيخرج منه محمَّلًا بأسئلةٍ جديدةٍ، وربما بطمأنينةٍ غريبة، وربما بخوفٍ جميل. فالكتابة حين تُرى من الدَّاخل، تُخيف وتُطمئن معًا؛ تُخيف لأنها تُعرِّي، وتُطمئن لأنها تُذكِّر القارئ بأن كلَّ من كتب، مهما بدا قويًّا، فإنما كتب من هشاشته أولًا، ومن ضعفه قبل قوَّته، ومن جرحه قبل عافيته. وإذا كان لا بدَّ لي، وأنا أكتبُ هذه المُقدّمة، من اعترافٍ، فهو أنَّني وجدتُّني أتعلّم؛ فالكاتب، مهما طال عمرُهُ في الكتابة، يبقى تلميذًا في فصلٍ لا ينتهي، وفصل الكتابة لا ينتهي لأنَّ الدرس فيه لا يتكرَّر، والمعلم الحقيقي هو ذلك الصوت الداخلي الذي لا نسمعه كاملًا إلا حين نقرأ الآخرين وهم يفتحون أبوابهم بلا خوف.

إن كتاب الدكتورة سارة حامد حوّاس ليس مُجرَّد تجميعٍ لشهاداتٍ، بل حوارٌ كبيرٌ مع أسرار الكتابة، وطرق الوصُول إلى النصِّ، ومع ما يتركُهُ الكاتبُ وراءه. وفي كلّ شهادةٍ من هذه الشهادات، سنجدُ خطوةً نحو فهمٍ أعمق، وربما نحو ضياعٍ أجمل، فالفهم في الكتابةِ ليس نهاية الطريق، بل بدايته. أقدّم هذا العمل وأنا على يقين أنه سيظلُّ كتابًا يعود إليه القارئ مرارًا، لأنَّ الأصوات التي يتضمَّنها ليست أصواتًا تذوبُ، بل هي أصواتٌ تبقى، تذكّرنا بأنَّ الكتابةَ ليست مهنةً، بل حياة، وأنَّ الكاتبَ ليس من يكتبُ، بل من يعرف كيف يسمع ما تقوله الرُّوح حين تفتح نافذتها على العالم وتقول: "اكتبني".

هذا كتابٌ وُلِدَ من تعبٍ حقيقيٍّ بذلتهُ سارة حوَّاس، ومن محبَّةٍ صادقةٍ، ورغبةٍ في أن تمنح القارئ الأفضل. ولعلّ هذا ما يجعله كتابًا نادرًا، كتابًا لا يقدّم وصايا فقط، بل يقدّم روائح التجربة، وملحها، ودمها، ويترك الباب مفتوحًا لمن يريد أن يدخل عالم الكتابة لا بوصفه فنًّا فقط، بل بوصفه قدرًا.