أفق التجديد الحضاري في فكر الدكتور سعيد شبار

الدكتور والمفكر يقدّم مشروعاً فكرياً نقدياً وتركيبياً يعيد صياغة الفكر الإسلامي كفعل معرفي حضاري يربط النص بالواقع والتاريخ، ويفكك مفاهيم الفكر العربي المعاصر لتجاوز الانقسام الإيديولوجي وتحقيق النهوض المشترك.
‎أحمد المهداوي
الرباط

‎ينبني المشروع الفكري للدكتور سعيد شبار على تصور مخصوص للفكر الإسلامي يخرجه من دائرة التنظير المجرد والاشتغال الخطابي ليرتقي به إلى مستوى الفعل المعرفي المركّب المرتبط بالإنسان والواقع والتاريخ. فالفكر الإسلامي، في نظره، ليس تكرارًا للمقولات التراثية ولا اجترارًا للمعارف الدينية في صورتها المدرسية، كما أنه لا يتموضع على هامش العلم أو المعرفة الحديثة، بل يشكّل إعادة صياغة منهجية ثانية لعلوم الدين والشريعة ما يجعلها قادرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية والإنسانية المعاصرة.

‎‎ينطلق الدكتور شبار من نقد التصورات التي تحصر الفكر الإسلامي في بعده النصّي أو الفقهي الضيق، مؤكدًا أن حقيقته لا تتحقق إلا بقدر ما ينفتح على الواقع بوصفه مجالاً للاختبار والتنزيل، ومن هنا يبرز تصوره للفكر الإسلامي باعتباره مشروعًا معرفيًا اندماجيًا تتداخل فيه آيات النص مع آيات الآفاق والأنفس في بناء رؤية شاملة تستوعب الإنسان في كليته: عقلاً، ووجدانًا، وسلوكًا، وتاريخًا؛ هذا الاندماج لا يقوم على الجمع الاعتباطي بين المعطيات، وإنما على تركيب منهجي واعٍ يهدف إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين الدين والواقع، أو بين النص والتاريخ.

‎‎ويترتب عن هذا التصور المنهجي أن يصبح الفكر الإسلامي قادرًا على رفع الإشكالات المعاصرة ودفع التحديات المطروحة، لا من خلال القطيعة مع التراث ولا عبر الذوبان في النماذج الفكرية الوافدة، وإنما بواسطة استثمار أصوله المعرفية الخاصة، ثم الانفتاح النقدي على غيره، لذلك يؤسس الدكتور شبار لهوية معرفية إسلامية لا تقوم على الانغلاق أو التعالي، ولكن على التفاعل والتواصل مع الحفاظ على مرجعية ذاتية واضحة، فالانفتاح، في هذا السياق، ليس تنازلاً عن الأصول، وإنما تفعيل لها في أفق كوني باعتبار الخطاب الإسلامي موجّهًا للإنسان من حيث هو إنسان.

‎‎وفي سياق تحليله لحقل الفكر العربي المعاصر، يتوقف الدكتور شبار عند عدد من المفاهيم المتداولة، مثل القومية والعلمانية واليسار والليبرالية والإسلام، لا بوصفها تصنيفات نهائية أو مقولات اعتقادية مغلقة، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن واقع التجزئة والانقسام الذي يطبع الوعي الفكري في الأمة، ويؤكد أن هذه التصنيفات، رغم شيوعها، لا تمتلك بالضرورة مشروعية معرفية موضوعية، بل كثيرًا ما تُفرض بفعل السياقات التاريخية والصراعات الإيديولوجية.

‎‎ومن هذا المنطلق، لا ينصبّ اهتمام الدكتور شبار على تكريس هذه التقابلات أو الدفاع عن أحدها ضد الآخر، ولكن على تفكيكها تحليليًا، والكشف عن شروط نشأتها، وحدود فاعليتها، وآثارها في تشكيل الوعي الجماعي، فالرهان الحقيقي، في نظره، ليس في الانتصار لمفهوم بعينه، بل في تجاوز عقلية الاحتراب المفاهيمي التي تعمّق الانقسام وتعيق إمكان النهوض المشترك، وعليه يصبح توحيد وجهة العمل الفكري غاية مركزية متى كان الهدف هو النهوض بالذات الحضارية للأمة.

‎‎ويعتمد الدكتور شبار في مقاربته لهذه المفاهيم على منهج تحليلي تاريخي نقدي يزاوج بين تتبع الصيرورة التاريخية للمفهوم، ورصد شروطه الموضوعية، ونقد تمظهراته السلبية وتوظيفاته الإقصائية، على أن هذا النقد لا يتخذ طابع الإلغاء أو الرفض المطلق، فهو يحرص على استبقاء العناصر الإيجابية الممكنة، وتوظيفها ضمن رؤية تكاملية أوسع تخدم الإنسان والمجتمع.

‎‎وبناءً عليه، يمكن القول إن فكر الدكتور سعيد شبار يمتاز بكونه مشروعًا نقديًا تركيبيًا يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الدين والمعرفة والواقع على أساس منهجي متوازن، يرفض التبسيط الإيديولوجي، ويتجاوز الثنائيات الحادة، ويؤسس لفهم حضاري للفكر الإسلامي باعتباره طاقة معرفية مفتوحة قادرة على الإسهام في صياغة أفق إنساني مشترك دون التفريط في خصوصيتها المرجعية.