'ألف' تقدم التصورات الثقافية للحيوانات

المجلة في عددها السنوي الجديد تسعى إلى استكشاف كيف يمكن لتمثيل الحيوانات أن يساعد في تشكيل فهم البشر للطبيعة وأنفسهم في الأدب والفن والعلوم.

القاهرة - صدر العدد السنوي الجديد من مجلة ألف في محور "التصورات الثقافية للحيوانات" في حوالي 400 صفحة، وهو عدد يسعى إلى استكشاف كيف يمكن لتمثيل الحيوانات أن يساعد في تشكيل فهم البشر للطبيعة وأنفسهم في الأدب والفن والعلوم. فلقد احتلت الحيوانات، على الدوام، مكانة بارزة في السرد الإنساني المكتوب والمرئي والشفهي. فكيف جرى تمثيل الحيوانات، أو التقليل من شأنها، أو تأليهها، أو تشخيصها؟ وكيف تفتح الحيوانات فضاءً غنيًا لتمثيل الهوية وتجسيدها ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا خلال فترات الرقابة، والتنوير، والندرة، والوفرة، وغيرها؟ تتناول المقالات التالية هذه الأسئلة باللغات الإنكليزية والعربية والفرنسية، وفي سياقات متنوعة ومختلفة.

يقارب القسمان الإنكليزي والفرنسي من هذا العدد مجموعةً من الدراسات التي تتناول تمثيلات الحيوان في سياقات أدبية وفكرية وفنية متنوّعة، تمتد من التراث العربي الوسيط إلى السرديات المعاصرة، ومن النصوص الفلسفية والعلمية إلى الرواية والفن البصري. وتلتقي هذه المساهمات عند مساءلة العلاقة بين الإنسان والحيوان، والحدود الأخلاقية والمعرفية التي تنظّمها، في ضوء مقاربات متعددة، مثل تاريخ العواطف، وما بعد الإنساني، والسرد، والجماليات.

يفتتح القسم بدراسة تشيب روسيتي المعنونة "أحياء تتحرّك: الحياة البحرية والاشمئزاز في كتاب تحفة الألباب ونخبة الإعجاب لأبي حامد الغرناطي"، التي تعيد قراءة نص من أدب الرحلات والعجائب في القرن السادس الهجري، مركّزة على تمثيل الكائنات البحرية بوصفها موضوعًا للدهشة والاشمئزاز في آن. يبرز المقال كيف يعمل الاشمئزاز بوصفه استجابة حسّية وثقافية تُسهم في إنتاج معرفة بالعالم الطبيعي، لا باعتباره مجالًا للفوضى أو الغرابة فحسب، بل فضاءً للتأمل في حدود الإنسان وموقعه الأخلاقي إزاء التنوع الحيواني. وتكشف الدراسة عن تداخل المعرفة العلمية بالمخيال الأدبي في أدب العجائب، وعن الدور الذي تلعبه العواطف في بناء التصوّرات البيئية في التراث الإسلامي الوسيط.

وفي المقال الثاني، لينس شميت بعنوان "حيوانات شهية: الحيوانات الصالحة للأكل في كتابات علم الحيوان العربية التراثية"، يتناول مسألة أكل الحيوان في النصوص العربية الكلاسيكية من منظور علم الحيوان والأدب معًا. يبيّن المقال أن النقاش حول أكل الحيوانات لا يقوم فقط على اعتبارات دينية أو طبية، بل يتداخل مع تصنيفات معرفية وجمالية تميّز بين الحيوانات بحسب طبيعتها وسلوكها ومكانتها الرمزية. ومن خلال تحليل طيف واسع من النصوص، يكشف شميت عن توتّر دائم بين المعرفة العلمية والأحكام الأخلاقية والذوقية، ما يجعل من مسألة أكل الحيوان مدخلًا لفهم أوسع للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في الفكر العربي التراثي.

أما دراسة مريم الأشماوي، "ترويض الحيوان الكامن في القاهرة: محمد فريد وجدي و'النباتية المعتدلة'"، فتنقل النقاش إلى بدايات القرن العشرين، حيث تُحلّل خطاب محمد فريد وجدي بوصفه نموذجًا لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والحيوان في سياق النهضة والإصلاح. تُظهر المقالة كيف يستخدم وجدي مفهوم "النباتية الوسطية" ليس فقط كخيار غذائي، بل كإطار أخلاقي وروحي يهدف إلى تهذيب الغرائز الإنسانية وتنظيم العلاقة مع الحيوان. وتكشف الدراسة عن تداخل الفكر الديني، والعلم الحديث، والخطاب الأخلاقي في تشكيل رؤية جديدة للحيوان بوصفه كائنًا يشارك الإنسان مجال الحياة، لا مجرد مورد للاستغلال.

ويأتي مقال محمود رفعت، "الفئران والقطط: الأنسنة والتعاطف السردي في الرواية المصوّرة ماوس لآرت سبيغلمن"، ليقارب تمثيل الحيوان في سياق مختلف تمامًا، هو الرواية المصوّرة المعاصرة. يدرس المقال كيف تُستخدم الأنسنة الحيوانية في ماوس لبناء تعاطف سردي مع شخصيات تمثّل ضحايا الهولوكوست، دون أن تُمحى الفروق الأخلاقية والتاريخية بين الإنسان والحيوان. ويُبرز رفعت كيف تسمح هذه التقنية السردية بإعادة التفكير في مفاهيم الضحية، والذاكرة، والعنف، من خلال وسيط بصري–سردي يعيد صياغة العلاقة بين الإنساني وغير الإنساني.

وتقرأ دراسة إيفا أ. لوكاشيك: "أطر الصيد: رثاء موت الحيوان في رواية أولغا توكارتشوك اسحب محراثك فوق عظام الموتى"، الرواية بوصفها نصًا أخلاقيًا يضع الصيد ومقتل الحيوان في مركز التساؤل الفلسفي. تحلّل المقالة كيف يتحوّل الحيوان القتيل إلى موضوع حداد، وكيف يعيد النص الروائي توزيع القيم الأخلاقية عبر مساءلة شرعية العنف الإنساني ضد الكائنات الأخرى. ومن خلال مقاربة فلسفية وسردية، تبرز الدراسة إمكانات الأدب في تخيّل أشكال بديلة من العدالة العابرة للنوع.

وفي السياق ذاته، تطرح نهى حنفي في مقالها "ما وراء التحوّل الإنساني–الحيواني في سيرة حمار لحسن أوريد والصرصور لراوي الحاج" قراءةً ما بعد إنسانية لتحوّلات الهوية بين الإنسان والحيوان. تبيّن المقالة كيف تُستخدم استعارة التحوّل الحيواني لتفكيك مركزية الإنسان، وكشف هشاشة الذات الإنسانية أمام السلطة والعنف والاغتراب. ومن خلال المقارنة بين نصين ينتميان إلى سياقين ثقافيين مختلفين، تُظهر الدراسة كيف يشكّل الحيوان وسيطًا نقديًا لإعادة التفكير في معنى الإنسانية ذاتها.

ويعزّز هذا المسار النظري مقال رانيا م. رفيق خليل، وهو دراسة ما بعد إنسانية لمفهوم كرامة الحيوان في أعمال تانْيا روندر، يركّز على البعد الأخلاقي والحقوقي لتمثيل الحيوان. تناقش الدراسة كيف تُعيد نصوص روندر صياغة مفهوم الكرامة خارج الإطار الإنساني الحصري، مقترحةً رؤيةً أخلاقية تعترف بالحيوان ككائن ذي قيمة ذاتية. ويبرز المقال دور الأدب في مساءلة الخطابات القانونية والفلسفية السائدة، وفتح أفق لتخيّل علاقات أكثر عدالة بين البشر وغير البشر.

ويضمّ هذا القسم أيضًا نصًا إبداعيًا مترجمًا هو "القط: الحراسة بنظام المناوبة" للكاتب حسن عبدالموجود، بترجمة مي تلمساني، حيث يُقدَّم الحيوان بوصفه شخصية فاعلة في الفضاء السردي، تشارك الإنسان يومياته وهواجسه. يفتح هذا النص مجالًا للتأمل في العلاقة الحميمة بين الإنسان والحيوان في الحياة المعاصرة، بعيدًا عن التنظير المباشر، ومن خلال حساسية سردية دقيقة.

كما يُختتم القسم بشهادة فنية بعنوان "الاحتفاء بالحيوانات بضربات الفرشاة: شهادة فنية بالألوان" للفنانة مريم حتحوت، التي تقدّم قراءة ذاتية لتجربتها الفنية مع تمثيل الحيوان. تبرز الشهادة كيف يتحوّل الحيوان في اللوحة إلى مساحة للتعبير الجمالي، والذاكرة، والانفعال، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع الرؤية الفنية، ويتحوّل الفن إلى وسيلة لإعادة التفكير في علاقتنا البصرية والعاطفية بالكائنات الأخرى.

في القسم العربي من هذا العدد، مجموعة دراسات تتناول تمثيلات الحيوان في النصوص العربية الكلاسيكية والحديثة، من القرآن الكريم وأدب الجاحظ وإخوان الصفا، وصولًا إلى الرواية العربية المعاصرة. وتتنوّع المقاربات بين السيميائية، والتأويل الأدبي، والفلسفة الأخلاقية، والسرديات الحديثة، بما يكشف عن مركزية الحيوان في التفكير الأدبي العربي بوصفه وسيطًا لفهم الإنسان والمجتمع والعالم.

يفتتح القسم بمقال صبري حافظ "البيوت والحيوانات في الأدب العربي: سيميولوجيا المتخيّل المادي"، الذي ينطلق من مفهوم "المتخيّل المادي" لفحص حضور الحيوان في الفضاءات السكنية داخل السرد العربي الحديث. يبيّن المقال كيف لا يُقدَّم الحيوان بوصفه عنصرًا زخرفيًا أو هامشيًا، بل كعلامة دلالية تسهم في بناء المعنى، وفي كشف العلاقات الاجتماعية والطبقية والنفسية للشخصيات. ومن خلال تحليل نماذج روائية وقصصية، يوضح حافظ كيف تتقاطع صورة الحيوان مع مفاهيم البيت، والحميمية، والاغتراب، بما يجعل من الحيوان أداة سيميائية لقراءة تحوّلات المجتمع العربي الحديث.

وتنتقل أميمة أبوبكر في مقالها "تصوير الطير وتوظيفه في القرآن الكريم" إلى النص القرآني، حيث تقدّم قراءة تحليلية لتمثيلات الطير في عدد من الآيات، مركّزة على أبعاده الرمزية والبلاغية والدلالية. تبيّن الدراسة أن الطير لا يظهر في القرآن بوصفه كائنًا طبيعيًا فحسب، وإنما كوسيط للتفكير في قضايا الإيمان، والقدرة الإلهية، والمسؤولية الإنسانية. كما تكشف المقالة عن تنوّع وظائف الطير بين الدلالة على الحرية، أو النظام الكوني، أو العبرة الأخلاقية، مؤكدة غنى الخيال الحيواني في النص القرآني وطاقته التأويلية.

ويعالج مقال نيكولا ديان، "إمكانية انقراض الحيوان ومصير الإنسان: تأمّلات في العصر الإسلامي المبكّر"، تصوّرات مبكرة لمسألة انقراض الحيوان وعلاقتها بمآل الإنسان. ينطلق المقال من نصوص أدبية وفكرية إسلامية مبكرة لبيان كيف ارتبط التفكير في اختفاء الكائنات الحيوانية بأسئلة كونية وأخروية، وبفكرة النظام الإلهي للعالم. ويظهر المقال أن مصير الحيوان لم يكن مفصولًا عن مصير الإنسان، بل كان جزءًا من رؤية شاملة للعالم، تتقاطع فيها الأخلاق، والعقيدة، والمعرفة الطبيعية.

وتقدّم دراسة عبدالرحمن أبوعايد، "حيوان الجاحظ: بين الدلالة والاستدلال على الحكمة"، قراءةً معمّقة لمكانة الحيوان في كتابات الجاحظ. يبيّن المقال كيف يستخدم الجاحظ الحيوان أداة بلاغية ومعرفية للاستدلال على الحكمة، ولتفكيك التصوّرات السائدة عن الإنسان والعقل والطبيعة، مبرزًا الطابع الموسوعي والفلسفي لخطاب الجاحظ، حيث يتحوّل الحيوان إلى وسيط نقدي يزعزع الحدود الصارمة بين الإنسان وغيره من الكائنات.

أما هومن نظاميان، ففي مقاله "النزاع بين الإنسان والحيوان: تطهير المدينة الفاضلة عند إخوان الصفا"، فيتناول رسائل إخوان الصفا بوصفها نصوصًا فلسفية–سردية تطرح رؤية أخلاقية بديلة للعلاقة بين الإنسان والحيوان. يحلّل المقال مناظرة الحيوان والإنسان الشهيرة، مبرزًا كيف تُستخدم لغة الحيوان للكشف عن مظالم البشر ونقد تصوّراتهم للعدالة والسلطة. ويبيّن أن هذا النزاع الرمزي لا يهدف إلى إدانة الإنسان فحسب، بل إلى اقتراح نموذج أخلاقي يقوم على التوازن والتطهير الروحي.

وفي سياق السرد الحديث، يقدّم حسني ميلاد مقالًا بعنوان "أنسنة الحيوان في السرد الروائي: عندما يعجز الكلب عمّا يفكّر فيه الإنسان"، يدرس فيه تقنيات الأنسنة الحيوانية في الرواية العربية المعاصرة. يوضح المقال كيف تُسند للحيوان، ولاسيما الكلب، أدوار سردية تسمح بكشف المسكوت عنه في وعي الشخصيات الإنسانية، وبنقد الواقع الاجتماعي والسياسي من زاوية غير بشرية. وتُبرز الدراسة أن صوت الحيوان يصبح أحيانًا أكثر قدرة على التعبير عن الحقيقة من صوت الإنسان نفسه.

ويُختتم القسم العربي بمقال شعيب حليفي، "سيمياء الحيوان في الرواية المغربية الحديثة: الكائنات والدلالات"، الذي يقدّم قراءة سيميائية لتمثيلات الحيوان في الرواية المغربية. يبيّن المقال كيف تتحوّل الكائنات الحيوانية إلى علامات دلالية مركّبة تعبّر عن قضايا الهوية، والذاكرة، والتحوّلات الاجتماعية. ومن خلال تحليل عدد من الأعمال الروائية، يبرز حليفي الدور المركزي للحيوان في بناء المعنى السردي، وفي تفكيك العلاقة بين الإنسان وبيئته الثقافية والطبيعية.

تُعدّ مجلة ألف من أهم المجلات الأكاديمية، وهي مجلة سنوية محكَّمة ثنائية اللغة (وأحيانًا ثلاثية اللغة)، تصدر عن قسم اللغة الإنكليزية والأدب المقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة. صدر عددها الأول عام 1981، ومنذ ذلك الحين تصدر بانتظام دون انقطاع. يتمحور كل عدد حول موضوع خاص، وتخضع جميع المقالات لعملية تحكيم علمي صارمة بإحدى لغات المجلة الثلاث: العربية أو الإنكليزية أو الفرنسية. وقد نشرت ألف دراسات لباحثين وأكاديميين مخضرمين وناشئين على حدّ سواء؛ فإلى جانب إسهامات أكاديميين بارزين مثل إدوارد سعيد، ومايكل وود، وجوديث بتلر، ترى المجلة نفسها أيضًا منصّة لإنتاج المعرفة، حيث تلقّى عدد من الباحثين الشباب تدريبهم الأكاديمي، وكتبوا أولى مقالاتهم العلمية ضمن صفحات ألف.