'أم رجا' دراما كويتية عن المرأة والكرامة
الكويت ـ يأتي مسلسل "أم رجا"، المنتظر عرضه ضمن موسم دراما رمضان 2026، ليشكّل عودة لافتة إلى الدراما التراثية الاجتماعية، مستحضرا مرحلة زمنية شديدة الخصوصية في تاريخ الكويت، تمتد بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي. تلك الحقبة التي شهدت تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، حيث تداخلت التقاليد البدوية الراسخة مع بدايات التغير الاقتصادي والاجتماعي، ما أفرز صراعات إنسانية لا تزال أصداؤها حاضرة حتى اليوم.
وينتمي العمل إلى فئة المسلسلات القصيرة، إذ يتكون من عشر حلقات فقط، لكنه يعتمد على حبكة درامية مكثفة ومتدرجة، تضع المرأة في قلب الحدث، وتمنحها دوراً محورياً بوصفها رمزاً للصمود والكرامة في مواجهة مجتمع محافظ لا يتسامح بسهولة مع الخروج عن الأعراف السائدة. ويأتي هذا الاختيار ليعكس توجهاً دراميا واعيا، يبتعد عن الإطالة، ويركّز على تعميق الشخصيات والصراع بدلاً من تشتيته عبر مسارات فرعية.
وتدور أحداث المسلسل في إحدى القرى الكويتية، حيث تعيش "أم رجا"، وهي امرأة في منتصف العمر، تجربة قاسية بعد انفصالها عن زوجها الثري. هذا الانفصال لا يمثل مجرد حدث عائلي، بل يتحول إلى وصمة اجتماعية، تضع البطلة في مواجهة مباشرة مع نظرة المجتمع القاسية للمرأة المطلقة، في زمن كانت فيه الخيارات محدودة، والسلطة الاجتماعية تميل دائماً لصالح الرجل.
ويتفاقم الصراع الدرامي حين يتعرض ابنها "رجا" لاتهام في قضية سرقة غامضة، لتجد الأم نفسها مضطرة لخوض معركة طويلة لإثبات براءته. هذه القضية تكشف عن حجم الظلم الذي قد يطاول الأفراد، وتفتح الباب أمام شبكة معقدة من الشكوك والتهم المتبادلة، حيث تختلط الحقيقة بالمصالح، ويصبح الاتهام أداة للضغط والتصفية الاجتماعية.
ومن خلال هذا الخط الدرامي، يعكس المسلسل صورة أوسع عن المجتمع الكويتي في تلك المرحلة، حيث تتصادم القيم التقليدية الصارمة مع رغبات الأفراد في الدفاع عن كرامتهم والتمسك بحقوقهم.
ويطرح العمل أسئلة جوهرية حول العدالة، وحدود السلطة الاجتماعية، وحقوق المرأة، ومسؤولية المجتمع تجاه أفراده، وهي قضايا تتجاوز الإطار الزمني للعمل، لتلامس واقعاً معاصراً لا يزال يواجه تحديات مشابهة.
ويتميّز النص الدرامي بقدرته على استحضار تفاصيل البيئة البدوية الكويتية بدقة لافتة، سواء من حيث العادات اليومية، أو طبيعة العلاقات بين القبائل، أو حتى اللغة الحوارية التي تعكس روح المرحلة. وفي هذا السياق، تبرز شخصية "أم رجا" بوصفها كسرا واعيا للنمط التقليدي، إذ تتحول من امرأة مهمّشة إلى صوت احتجاج صامت، يطالب بالحق والعدالة دون صخب، مستندة إلى قوة الأمومة وإيمانها ببراءة ابنها.
ويقدّم المسلسل صورة بانورامية عن فترة تاريخية حرجة، كانت فيها المجتمعات التقليدية تختبر قدرتها على التعامل مع قضايا غير مألوفة آنذاك، مثل الطلاق، والاتهامات الجنائية، ومكانة المرأة خارج إطار الزواج. هذه الخلفية تمنح العمل عمقاً إضافياً، لأنه لا يكتفي بسرد قصة شخصية، بل يضعها في سياق اجتماعي وثقافي أوسع، يعكس التحولات التي مهّدت لملامح المجتمع الخليجي الحديث.
ويجمع "أم رجا" نخبة من نجوم الخليج، بينهم صلاح الملا، إسماعيل الراشد، نواف الفجي، عبدالعزيز مندني، عبدالعزيز الدليخ، ونديمة سنان، إلى جانب مجموعة من الأسماء البارزة. هذا التنوع في الطاقم التمثيلي يمنح العمل ثراءً فنياً واضحاً، حيث تتلاقى خبرات مختلفة لتقديم رؤية جماعية متماسكة، تخدم النص وتثري أبعاده الإنسانية.
وتتصدّر البطولة الممثلة زهرة عرفات، التي عبّرت عن حماسها الكبير لتجسيد شخصية "أم رجا"، مؤكدة أن الدور يمثل تحدياً فنياً وإنسانياً في آن واحد.
وأشارت في تصريحاتها إلى أن الشخصية تتيح لها الغوص في أعماق امرأة تواجه القهر الاجتماعي بصبر وإصرار، معتبرة أن العمل يحمل رسالة إنسانية تتجاوز حدود الترفيه، وتلامس وجدان المشاهد.
وأعربت الممثلة شيماء سبت عن سعادتها بالعودة إلى الدراما الخليجية من خلال هذا العمل، مشيرة إلى أن الشخصية التي تؤديها تتمتع بعمق درامي يتطلب صدقاً عالياً في الأداء، مضيفة أن "أم رجا" يختلف عن كثير من الأعمال التراثية، لأنه لا يكتفي بعرض الماضي، بل يناقشه وينتقده من زاوية إنسانية معاصرة.
وأكدت الفنانة زمن عبدالله أن دورها في المسلسل يشكل نقلة نوعية في مسيرتها الفنية، خصوصاً مع اعتماد العمل على اللهجة البدوية التي تجيدها، مشيدة بالأجواء الإيجابية داخل موقع التصوير، وبالتعاون الفني مع زهرة عرفات، معتبرة أن هذا الانسجام سينعكس بوضوح على الشاشة.
أما الفنان محمد العجيمي، فقد وصف النص بأنه مكتوب بعناية واحترافية، مشيراً إلى أن العمل يقدّم صورة صادقة عن المجتمع الخليجي القديم بأسلوب مشوّق ومتوازن، مؤكدا أن مشاركته في "أم رجا" تمثل تجربة خاصة، لأنه يجمع بين الدراما التراثية والطرح الإنساني العميق.
المسلسل من تأليف وإنتاج مشاري حمود العميري، المعروف بأعماله التراثية ذات الطابع الاجتماعي والثقافي، والذي أكد أن "أم رجا" محاولة لتوثيق مرحلة تاريخية مهمة عبر قصة إنسانية مؤثرة، مستندة جزئياً إلى أحداث واقعية، ما يمنح العمل مصداقية وعمقاً إضافيين.
أما الإخراج، فهو من توقيع محمد الطوالة، الذي حرص على تقديم العمل برؤية سينمائية متكاملة، تهتم بأدق تفاصيل الحقبة الزمنية، من الأزياء والديكور، إلى الإضاءة التي تعكس أجواء القرى الكويتية في منتصف القرن الماضي. وأشار إلى أن التحدي الأكبر كان إعادة بناء البيئة التراثية بدقة، بحيث يشعر المشاهد بأنه يعيش داخل تلك المرحلة بكل تفاصيلها.
ويتوقع نقاد الدراما أن يحظى "أم رجا" بمتابعة واسعة في الكويت والخليج، لما يحمله من واقعية تاريخية وطرح إنساني مؤثر. ويرى البعض أن العمل قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من المسلسلات التراثية القصيرة، التي تركّز على قصص إنسانية مكثفة، وتعيد للدراما الخليجية حضورها التراثي بأسلوب حديث ومتجدد.