أنثولوجيا الرّواية وانزياحاتها في 'كهف القارئ'

معالم رواية الكاتب العراقي كه يلان محمد تتشكّل على عدة طروحات مضمونيّة مهمة في زمان الكاتب والقارئ على حد سواء، وهو ما تمّ توضيحه والوقوف عليه من طرف الأول.

اتسمت الكتابة السّرديّة، مؤخر، بالوقوف على ثنائيّة (الذات والآخر)، مُحاولةً استيعاب قانون اللعبة الذي يُشكّل انعراجات العالم وانقساماته، ويكون ذلك من خلال القفز على مستويات النّصوص، فـ "السّرد يمرّ بمرحلة هامة الآن، ربما خارج حساب التّقنيات الفنيّة يحقق قفزات على مستوى النّص، ربما تكون هذه القفزات خارج السياقات الفنيّة المتعارف عليها لعدة أسباب، السّبب الأوّل يتعلق بالحالة الاجتماعيّة في تشظيها وتموجاتها وتحولاتها الكبرى العاصفة من تغير أنماط المعيشة التي تحقق انكسارات وتبدلات على مستوى الروح الإنسانيّة" (عيد عبد الحليم).

وقد تمّ التّركيز على فن الرّواية دون غيرها، باعتبارها فتحا مبينا للحوار الإنساني، وتجسيدا للمشهد العالمي الرّاهن بأبعاده التّاريخيّة والسّياسية والاجتماعية والثّقافيّة، وهو ما يجعل منها مرجعا أساسيا مشتركا بين أبناء هذه الثّقافة في لحظات تاريخيّة محدّدة، وفي مفهومها يقول الكاتب العراقي كه يلان محمد: "الرّوايّة فن بلا ضفاف من حيث الثيمات، كما أنّها بلا حدود في حريّة الصّياغة والشّكل".

وتبعا لأهميّة هذا الجنس الأدبي تمّ رصده من قبل الكاتب كه يلان في كتابه "كهف القارئ"، وحري بنا أن نقف عند مدلول العنوان قبل الولوج إلى الكتاب.

مفتاح العنوان:

وقع اختيار كه يلان محمد على مصطلح "كهف" وبالطبع أنَّ هذا الدال تسبحُ مدولولاتهُ في حقول تاريخية وأنثبرولوجية ولاهوتية وفلسفية لكن المراد بهذه المفردة هنا، الفضاء الذي تسترخي فيه قبضة السلطات، باعتبار أن الروايةَ  عالم واسع، حيثُ ترصدُ جميع المُتغيّرات المُمكنة، وفيها يتمّ إلغاء الطّابهوات التي تحكم المجتمع وتُقيّده، فهي بمثابة المتنفس والمهرب للروائي، وقد امتدّ "مجاز الكهف للفلسفة، ولعلّ أفلاطون هو أوّل من وظّف المفردة للإبانة عن جوهر فلسفته المثالية، وحقيقة العلاقة القائمة بين عالم المثل وما يراه الإنسان في حياته الدُنيوية. ويكون للكهف لدى نيتشه معنى آخر مختلف تماما عن المفهوم الذي  يكسبه السياق الأفلاطوني" (كه يلان محمد)، ويوضّح الكاتب  دلالة الكهف عند نيتشه الذي يرى بدوره أنّ السّبيل لمخالفة عقلية القطيع احتماءه في كهف الفلسفة، وبالتّالي خطى الكاتب العراقي على خُطى نيتشه بالقول أنّ السّبيل للاحتماء من الرّقابة الاجتماعيّة هو اللجوء إلى كهف الرّواية.

فلسفة الرّواية:

"تلعب الرواية -بوصفها مجالاً للتأمل- وظيفة فلسفية، كما لها بعد نفسي لأنَّ التجول في ربوعها يعوضُ الفرد بما يفتقدهُ في الواقع"، تبعا لذلك حاول الكاتب كه يلان محمد اقتفاء علاقة الرّواية بمحيطها الخارجي، بداية من تماسها مع السّيرة بالرّغم من قدرتها على التّخييل وتغليف الحقائق الواقعيّة برداء العجائبيّة واللامتوقع، والالتقاء مع الحس الصّحافي من جهة أخرى، "فالرّوائي –كما يقول كه يلان- يجب أن يتمتع بحس صحافي لا يصدأ، وأن ينتبه إلى ما يضخ في المنابر ويُعرض في الجرائد والصّحف".

إضافة إلى  ذلك، يرى الكاتب بأنّ إلحاح سؤال الهويّة هو الذي يؤسس هذا الجنس الأدبي، فـ "أياً كان موضوع النّص الرّوائي وشكل ترتيبه البنائي، يتمّ التّعامل معه بوصفه منجزا أدبيا قابلا لمساءلة القارئ الذي يملأ ثغراته، وهكذا يتعاظم دور الرّوايّة في تعميق مفهوم الذّاتيّة، وصوغ هويّة الفرد في واقع متشبع بإرغامات سياسية ودينيّة واجتماعيّة".

وفي علاقة الرّوائي مع السّلطة، والصّراعات الحاصلة بينهما، يُشير الكاتب إلى أنّ الخصومة بينهما متجذرة، وهو ما فتح بابا للتّساؤلات عن الوعي المُتشكّل بفعل تضخم الاهتمام بالأدب الرّوائي، وفي ذلك يتساءل الكاتب "هل يُرافق هذا الحراك الرّوائي نشوء وعي جديد لدى قرائه ومتابعيه؟" باعتبار أنّ المسؤول عن هذا التّغير  هو القارئ.

وصفوة القول أنّ الرّواية قد تشكّلت معالمها على عدة طروحات مضمونيّة مهمة في زمان الكاتب والقارئ على حد سواء، وهو ما تمّ توضيحها والوقوف عليهما من طرف الكاتب العراقي كه يلان محمد في مؤلَّفه "كهف القارئ". يذكر أنَّ هذا الكتاب من إصدارات منشورات صفحة 7 بالسعودية .