أنيس الرافعي يودع العام بندوة نقدية تحتفي بأعماله القصصية التجريبية

شبكة القراءة بالمغرب ومؤسسة مسجد الحسن الثاني تحتفيان باليوم العالمي للغة العربية بتنظيم ندوة نقدية حول التجربة القصصية للكاتب المغربي مع توقيع كتابيه الجديدين 'مقبرة الخردوات' و'سيرك الحيوانات المتوهمة حقيبة رسومات ومنولوغات'.
ليلى بارع
الدار البيضاء

احتفلت شبكة القراءة بالمغرب ومؤسسة مسجد الحسن الثاني السبت باليوم العالمي للغة العربية بتنظيم ندوة نقدية حول التجربة القصصية للكاتب المغربي أنيس الرافعي، مع توقيع كتابيه الجديدين،"مقبرة الخردوات" و"سيرك الحيوانات المتوهمة حقيبة رسومات ومنولوغات " بالمكتبة الوسائطية لمسجد الحسن الثاني.

الندوة شارك فيها كل من كوكاس عبد العزيز، سعيد منتسب، عمر العسري، عز الدين بوركة، عفاف التائب، عتيقة هاشمي، وقام بتسييرها الباحث في علوم الاجتماع، عبداللطيف حباشي.

واعتبر الكاتب المغربي أنيس الرافعي خلال كلمة له في هذا اللقاء، متحدثا عن التطورات التي يعرفها المشهد القصصي عالميا: "لا وجود في عرف الفن القصصي الراهن، على الإطلاق، لقصة ما يجوز أن توسم بالمحلية أو الخصوصية أو الإقليمية الضيقة، فإما أن تكون ذات بعد كوني إنساني أو لا تكون. قصة تتوق لطعن مواقيت الحاضر، علها تستطيع جرح الأبدية، وممن هنا ابتدعت الأجيال الجديدة من كتاب هذا الجرم الصغيرة خرائط كونية جيوقصصية، خولت لهم التبحر وتحقيق رحلات حج-حكائية، وضبط روزمانة مواعيد قرائية وانتاجية مع مرجعيات وذاكرات من مختلف الجغرافيات والتيارات والحساسيات والأطياف والأزمنة".  مضيفا بأنه "وبموجب هذه الخريطة الطوبوغرافية للذهن والذائقة والتذوق والتصييغ أضحى كاتب القصة الحالي مسافرا سرمديا ومتخصصا شغوفا في الترحال السردي على سلسلة طرق خيالية لا نهائية، ذات قدرة على نسج الصداقات الأدبية البعيدة، ونظم المحيايثات الثقافية المتقاطعة بغرض استجلاب التقنيات والقوالب والاستراتيجيات والصيغ المستحدثة لكتابة القصة بأنفاس أكثر رحابة ورهافة. إن هذا المسافر السرمدي هو جزء بنيوي من شبكة نصية مترابطة ومعقدة لا حدود لتشقيقاتها، ولا تخوم لتناديها مع النظائر العليا والأنامل السامقة".

الندوة النقدية التي افتتحها الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس بالغوص في تاريخ البدايات القصصية للكاتب أنيس الرافعي وتشبته بمشروعه الإبداعي التجريبي الغرائبي على مدى أكثر من 23 سنة من الإبداع، في إطار ما أطلق عليه: "المشتل" التي احتضن تطور تجربته القصصية التي أجمع المتدخلون على تميزها داخل النسيج القصصي المغربي.

مجموعة سيرك الحيوانات المتوهمة لأنيس الرافعي أنها تتصدى للكتابة من خلال معمارية تحاكي فضاء السيرك

من جانبه جاءت مداخلة الناقد والشاعرعمر العسري تحت عنوان "جينيالوجيا الحكي الحيواني المضاد في مجموعة سيرك الحيوانات المتوهمة لأنيس الرافعي"،  عبارة عن ورقة تسائل مداخل مجموعة (سيرك الحيوانات المتوهمة)، وذلك من خلال أربعة مداخل: الأول أن القصة يجب أن لا تكتفي بالمستوى الدلالي فقط، بل تتعداه لمستويات أخرى، اهمهما البعد التخيلي الذي قد يحدد هوية السرد، الثاني أن ثنائية الهامش والمتن قد استأثرت بالفكر النقدي والبلاغي العربي، الأمر الثالث هو استناد المجموعة على التشكيل وارتباطه بفضاء السيرك، وهو أمر يبتدئ ويفسح المجالات لقراءات  متعددة، أما الأمر الرابع والأخير فهو المتمثل في المحاكاة المضادة وما يتيحه البعد البنائي للقصة من خلق بنيات سردية معاكسة تصنع بنيتها وفق رؤية مخالفة.."

مضيفا " ما يثير الانتباه في مجموعة سيرك الحيوانات المتوهمة لأنيس الرافعي أنها تتصدى للكتابة من خلال معمارية تحاكي فضاء السيرك، فالمجموعة تتألف من ثلاثة مفاصل كبرى، تذاكر مجانية الدخول الى السيرك، العرض الحيواني، إغلاق العرص، يؤشر هذا التقسيم على رؤية معمارية مقروءة ومشاهدة تكتسب معناها من جملة العلائق التي تربطها بغيرها من الخلفيات والأسناد، وهي علائق مفتوحة على تبادلية الوظائف وعلائق الغياب، واختراق الدلالات، وتتابعية الأحداث وتشذيرها، ومحاورة الواقع ومحورية الصوت، والتناوب الوظيفي ثم غرائبية الأحداث...."

أغلب أفكار انيس الرافعي القصصية تتمحور حول موضوع التجريب

الناقد والكاتب سعيد منتسب، وتحت عنوان "الفكر القصصي عند أنيس الرافعي" حاول تفكيك البنية السردية واللغوية لدى المحتفى به بالقول " لا توضح القصة لدى أنيس ولا يمكنها ذلك، لأي بوليس قصصي أو فكري، مفترض، لأنها حققت نوعا من الاتفاق مع نفسها، مع جملها، مع معجمها، مع بنائها، مع أسواق تبضعها وهذا ما نلاحظه في كل أعماله تقريبا، بدءا من أشياء تمر دون أن تحدث فعلا" الصادرة سنة 2022، وصولا إلى سيرك الحيوانات المتوهمة الصادرة سنة 2023، في أعمال أنيس الرافعي لا يبدو العراك قويا مع المرجعيات، إنه يجعلها غالبا مرئية نكاية في النقد الكسول، أي النقد الذي يبني دفاعاته على وزن فاعلن فاعلن، ليتدارك بكل تأكيد ما فاته، وأنا أتصور أن لقاء النقاد بقصص أنيس الرافعيأشبه بقمة حرب، كما يخيل الى أن هؤلاء يحتاجون الى تدريبات عسكرية للنفاذ الى عمق نصوصه وأصلها وفصلها، أعني الأصل المطموس أو الأصل المنسوخ، وهنا يصعب الفصل بين الأصل والمنسوخ أو التمييز بينهما، نص أنيس يصبح هو الأصل لأنه يخلق تشابكاته الخاصة لغة ومجازا..."

مضيفا "خلفية أنيس الرافعي معروفة جدا، ولا تشوبها شائبة، ألم يفته أن يكون كاتبا أرجنتينيا؟ ألا يعترف بقرابته التي لا غبار عليها لخوليو كورتثار وبورخيس وأندريس نيومان وألبرتو مانغويل؟

مؤكدا بأن أغلب أفكار انيس الرافعي القصصية تتمحور حول موضوع التجريب سواء على مستوى البنية الموضوعاتية أو اللغوية النحوية والتركيبية، ام على مستوى الاستطرادات الذاتية، غير أن هذا المستوى من الفكر يظهر أساس وبشكل صريح ومتعمد في مقالاته النقدية والتأملية والتي يستخدم فيها أنيس المكر نفسه الذي نواجهه في أعماله القصصية".

الندوة النقدية
حضور لافت للندوة النقدية

أنيس الرافعي يلعب على أوثار الكتابة المعاصرة الشديدة الحساسية لكل جديد

وتحت عنوان "الجزء الكل...حياكة الحكاية" كتب الشاعر والناقد الجمالي عزالدين بوركة  قائلا: "يتقن أنيس الرافعي لعبة اللغة، لهذا تكمن أهمية تناول تجربته القصصية، باعتبارها تجربة منفلتة من كل ثوابت كتابية ومنفتحة على آفاق تجريبية مغامرة بامتياز، ومسنودة برؤية كتابية تخرب وتشيد في آن، لا تستند أي مرجعية ميمية أو تتخذ من أي رؤية حداثية أسسها الجوانية، بل إنها تشيد عوالم محايثة وبديلة يمكن وصفها بأنها ذرائع لتحليل وتفكيك الواقع عبر الخيال والمتخيل".

يلعب أنيس الرافعي على أوثار الكتابة المعاصرة الشديدة الحساسية لكل جديد، سنده في ذلك دربة التجريب وخبرة التخريب والتغريب من أجل تعددية البناء المهيب...يحيك أنيس الرافعي نصوصه من ثوب الحكايات الخالدة ومن نسيج معامل الذات، في بعد يرتهن على هندسية تصميمية تروم تدوير المنتوج السردي في مصانع وحقول تبدو غير ذات صلة به، إذ تارة يرتب القصص في معرص الصور الفوتوغرافية أو في مطويات دليل سياحي متخيل أو في معجم طقوسي أو يجعل منها مجسمات مينيمالية دقيقة أو تذاكر عرض ضخم لسرك صامت متجول أو ساحة بيع خردوات أو داخل زجاجة بحجم غابة وغيرها من فضاءات التخييل والتجريب، مختلقا أياما خفية وشخوصا هلامية وحيوانات ناطقة وأشكالا مرآويةمحذبة وأجساما منثورة متشظية...

الكاتبة والشاعرة عفاف الطيب قاربت أعمال القاص أنيس الرافعي من خلال مداخلة اختارت لها عنوان "الكتابة باليد"، يد القاص العليا في الكتابة، والتي تراها حاسمة وغير مترددة في الكتابة الواثقة من نفسها، كما قارب علاقة الكتابة لدى القاص أنيس الرافعي بالتشكيل والألوان ومفهوم الكارثة، باعتبار الكتابة نفسها كارثة في لحظة من لحظات الكينونة الخاصة بالقاص...

ومن الجدير ذكره أن الرسومات التي تضمنها كتاب "سيرك الحيوانات المتوهمة"  للقاص أنيس الرافعي كان قد أنجزها الرسام الأردني محمد العامري.

العجائبي هو التردد الذي يحسه كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية، فيما هو يواجه حدثا  فوق طبيعي

من جهتها ساهمت الكاتبة عتيقة هاشمي في هذا اللقاء النقدي بورقة نقدية تحت عنوان "بلاغة السخرية قراءة في الخطاب القصصي لكتاب سيرك الحيوانات المتوهمة"، افتتحتها بالحديث عن التوجه العجائبي بالقول "تتأسس العجائبية أو الغرائبية على تداخل عالمين متناقضين عالم الحقيقة الحسية وعالم التصور والتخييل، وبالتالي يلفي المتلقي ذاته بين المرئي واللامرئي، الشيء الذي يخلق لديه نوعا من الحيرة أمام ما هو كائن كواقع متقبل وما سيكون كحدث خارق يثير الاستغراب، يعرف تودوروف العجائبي بقوله هو التردد الذي يحسه كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية، فيما هو يواجه حدثا فوق طبيعي حسب الظاهر، يفهم من هنا أن تحقق العجائبية على مستوى النص يستوجب استحضار شروط أساسية تتمثل في ضرورة ترد القارئ من خلال التعامل مع الشخوص في النص وكأنها حقيقة ملموسة، هذا يحيلنا على شرط آخر حيث ينبغي للقارئ أن يحدد طريقة قراءة النص بشكل يزيح عنه التأويل المجازي...

مضيفة " بالعودة إلى النص السردي (سيرك الحيوانات المتوهمة) حقيبة رسومات ومنولوجات، يلح علينا سؤال مباشر هل كان هذا السيرك واقعا ملموسا وهل حيواناته متوهمة فعلا، سؤالان يستمدان مشروعيتهما من تدرج القارئ في قراءة النص السردي...هذا الفضاء الفسيفسائي العجائبي المركب والمنبعت من حقيبة تجحفل في عقرها المتنافضات من الشذرة والأسطورة والرسومات، هو لوحة فنية استطيقية تولد لدى القارئ الشعور باللذة، شعور يستند الى اللعب الحر بين الخيال والذهن...".

الكاتبة والشاعرة عفاف الطيب قارب أعمال القاص أنيس الرافعي من خلال مداخلة اختارت لها عنوان "الكتابة باليد" يد القاصة التي تراها حاسمة وغير مترددة في الكتابة وعلاقة كتابة القاص بالتشكيل والألوان والكارثة، باعتبار الكتابة نفسها كارثة من خلال ربطها بالمفاهيم المعرفية لليد عند دولوز او عند..

جدير ذكره أن سنة 2023 عرفت فوز القاص أنيس الرافعي عن كتابه القصصي "سيرك الحيوانات المتوهمة" الصادرعن دار "خطوط وظلال"  للنشر والتوزيع، بجائزة الملتقى للقصة القصيرة، وسبق له الفوز بعدة جوائز وطنية وعربية. وتحضى كتابات القاص الذي اختار خلال السنوات الماضية نشر أعماله الإبداعية من خلال بوابة دار خطوط للنشر والتوزيع، بالكثير من الاهتمام داخل الوسط القصصي العربي والمغربي، ويشتغل القاص منذ 23 سنة على مشروعه القصصي التجريبي الغرائبي، من داخل ورشته القصصية الخاصة، وسبق له التصريح بأنه غالبا ما يطلع على آخر الإصدارات القصصية العالمية، هدفه وغايته من ذلك تجنب الكتابة على منوال  الآخرين، والسعي نحو الكتابة من داخل تجربته وقناعاته الإبداعية الخاصة به.