أوتو كارويي يفتح أبواب الموسيقى: من النغمة الأولى إلى قراءة السكور الكامل

الكاتب الموسوعي الهنغاري الأصل يشكل كتابه أحد النصوص المرجعية التي تسعى إلى تبسيط علم الموسيقى وتقديمه إلى القارئ العادي والهواة والطلاب.

يشكل كتاب "مدخل إلى الموسيقى" للكاتب الموسوعي الهنغاري الأصل أوتو كارويي أحد النصوص المرجعية التي تسعى إلى تبسيط علم الموسيقى وتقديمه إلى القارئ العادي والهواة والطلاب، بل وحتى الممارسين الذين يرغبون في تأسيس قاعدة معرفية متينة. الكتاب، في جوهره، ليس مجرد دليل تقني أو مدرسي، بل هو رحلة ذهنية وجمالية في عالم النغم، تبدأ من النقطة الأولى: ما هو الصوت؟، وتمتد حتى أشكال التأليف الموسيقي المعقدة وطرق قراءة النوتة المتعددة الآلات.

يختار كارويي في كتابه الذي ترجمه ثائر صالح وصدر عن دار نون أن يبدأ من الصفر، من المفهوم الفيزيائي للصوت، شارحًا الفرق بين الضجيج والنغمة الموسيقية، ومفسرًا كيف يتشكل الصوت في الطبيعة وكيف يمكن للإنسان التحكم فيه وإعادة إنتاجه وفقًا لمعايير محددة. من هنا، ينتقل بسلاسة إلى النظام الكتابي للموسيقى، أي التدوين الموسيقي، الذي يعدّ بمثابة اللغة المكتوبة للعالم الموسيقي. وهنا يقدم شرحًا وافيًا للعلامات الموسيقية، الخطوط والأقواس، الدرجات، والرموز التي تحدد الإيقاع والسرعة والحركة الديناميكية للصوت.

يولي كارويي اهتمامًا خاصًا بعناصر الموسيقى الأساسية: الإيقاع بوصفه القلب النابض لأي عمل موسيقي، والتيمبو أو سرعة الأداء التي تمنح العمل طابعه الشعوري، والديناميكيات التي تتحكم في شدة الصوت وتدرجاته، مبرزًا كيف أن هذه العناصر الثلاثة، عند تآزرها، تصنع الهيكل الحيّ للقطعة الموسيقية.

يفتح لنا كارويي باب السلالم الموسيقية، مفسرًا مفهوم النغمة ونصف النغمة، وكيف تُبنى السلالم في النظام الأوروبي، مع تلميح إلى وجود أنظمة أخرى في الثقافات المختلفة، لكنه يبقي تركيزه على الموسيقى الغربية الكلاسيكية التي تمثل سياق كتابه. هذا الجانب من الكتاب لا يكتفي بالشرح النظري، بل يقدّم جداول ورسومات تساعد القارئ على تصور المسافات النغمية وتطبيقها عمليًا.

وفي القسم الثاني، يتطرق كارويي إلى مفاهيم أكثر تعقيدًا، مثل اللحن والهارموني "الانسجام الصوتي"، وكيف يتكوّن العمل الموسيقي من طبقات صوتية تتفاعل وتتباين لتوليد التأثير العاطفي والفني. هنا، يظهر بوضوح أنه لا يكتب كمدرّس فقط، بل كمثقف موسيقي لديه حس نقدي وقدرة على الربط بين النظرية والتجربة السمعية.

ثم تأتي فصول تتناول البنية الموسيقية والأشكال التي يتخذها التأليف، بدءًا من الأشكال البسيطة وحتى الأعمال السيمفونية الكبرى، مع إضاءات على الفروقات بين القوالب الموسيقية (سوناتا، فوجه، كونشرتو...)، وكيف يمكن فهم هذه القوالب حتى لمن لم يدرس الموسيقى أكاديميًا.

في الفصل الخاص بالآلات الموسيقية يفتح أوتو كارويي نافذة واسعة على عالم الأدوات التي تحوّل الأفكار الموسيقية إلى أصوات مسموعة، ويمنح القارئ جولة منظمة، تكشف عن البنية الصوتية والوظيفية لكل فئة من هذه الآلات، مع إبراز الفروقات الدقيقة التي تجعل لكل آلة شخصيتها الخاصة.

يبدأ كارويي بتقسيم الآلات وفق التصنيف الأوركسترالي الشائع، الذي يرتكز على طريقة إنتاج الصوت، وهو تقسيم لا يكتفي بالإشارة إلى الجانب الميكانيكي، بل يربطه بالدور الموسيقي الذي تؤديه كل آلة في السياق الجماعي. هكذا، نجد أمامنا أربع عائلات رئيسية:

أولا الآلات الوترية (Strings)

يشير كارويي إلى أن هذه العائلة تمثل العمود الفقري للأوركسترا الكلاسيكية، وأنها الأكثر قدرة على محاكاة الصوت البشري من حيث التنغيم والتعبير. يبدأ بالكمان (Violin)، الذي يمنحه صفة "القائد الخفي" للعمل الأوركسترالي، نظرًا لموقعه في المقدمة وقيادته للأصوات العليا. ثم ينتقل إلى الفيولا (Viola)، التي تتميز بلون صوتي أكثر دفئًا وعمقًا، فالتشيلو (Cello) الذي يمتد مجاله من الدفء الحميم إلى النبرة الدرامية، وأخيرًا الكونتراباص (Double Bass) الذي يمنح الموسيقى أساسها النغمي الثقيل. ويشرح كيف أن اختلاف حجم الصندوق الصوتي وطول الأوتار يؤدي إلى اختلاف في المدى الصوتي والتيمبر، ويعرض أيضًا لتقنيات العزف المختلفة، مثل البيتسكاتو(Pizzicato)  حيث تُقرع الأوتار بالأصابع، أو الآركو (Arco) باستخدام القوس.

ثانيا الآلات الهوائية الخشبية (Woodwinds)

يقول "رغم تسميتها، لا يشترط أن تكون مصنوعة من الخشب، لكن جوهرها يكمن في طريقة إصدار الصوت عبر عمود هوائي داخل الأنبوب. يبدأ بالفلوت (Flute) الذي يعتمد على تيار هوائي مباشر، ثم الكلارينيت (Clarinet) والصول (Oboe) والفاجوت (Bassoon)، التي تستخدم قصبة مفردة أو مزدوجة تهتز لتوليد النغمة".

وهنا يولي كارويي اهتمامًا لتدرجات اللون الصوتي بين هذه الآلات، فالكلارينيت يتميز بمرونة واسعة بين الرقة والقوة، بينما الأوبوا يحمل طابعًا شجيًا نافذًا، والفاجوت يمنح النسيج الموسيقي نبرة ساخرة أو حزينة بحسب السياق.

ثالثا الآلات النحاسية (Brass)

يرى كارويي أن هذه الفئة، التي تشمل الترمبيت (Trumpet)، الترومبون (Trombone)، الهورن الفرنسي (French Horn)، والتوبا (Tuba)، تعتمد على اهتزاز شفتي العازف داخل بوق معدني. ويوضح كيف أن هذه العائلة مسؤولة عن القوة الدرامية والانفجارية في الأوركسترا، لكنها قادرة أيضًا على إنتاج نغمات دافئة وحميمة عند العزف الخافت. ثم يشرح نظام الصمامات (Valves) أو المكابس، ودور الشرائح المنزلقة (Slide) في الترومبون، ويقارن بين مجالات النغم ومدى السيطرة على الديناميكيات.

ثائر صالح يحافظ على روح النص الأصلية، ما جعل النسخة العربية أداة فعّالة للقارئ العربي الذي يبحث عن مدخل علمي رصين إلى الموسيقى

رابعا الآلات الإيقاعية (Percussion)

ينتقل كارويي هنا إلى عالم التنويع الإيقاعي، من الطبول الكبيرة (Bass Drum) والتمبورين (Tambourine) إلى آلات الإيقاع النغمي مثل الفايبرافون (Vibraphone)  والزيلوفون (Xylophone). ويلفت النظر إلى أن هذه الفئة ليست مجرد خلفية إيقاعية، بل تساهم في الألوان النغمية، إذ يمكن لآلات مثل التيباني (Timpani)  أن تضيف بعدًا لحنيًا بفضل قدرتها على ضبط النغمة.

لا يكتفي كارويي بوصف هذه العائلات، بل يدمج البعد الثقافي واللغوي، إذ يرفق في نهاية الفصل جداول بأسماء الآلات باللغات الأساسية المستخدمة في النوتة الموسيقية: الإنكليزية، الإيطالية، الألمانية، والفرنسية، وهو تفصيل عملي يسهّل على الطالب أو القارئ متابعة المدونات الموسيقية العالمية. كما يلمّح إلى وجود آلات خارج الإطار الأوركسترالي الأوروبي، في إشارة مقتضبة إلى الآلات الشعبية أو التقليدية في ثقافات مختلفة، لكنه يبقي تركيزه على البنية الكلاسيكية التي تخدم فهم القارئ للموسيقى الغربية المكتوبة. وفي هذا، ينجح في توسيع أفق القارئ دون تشتيته، واضعًا الآلة في مكانها الصحيح ضمن النسيج الموسيقي العام.

يخصص كارويي في الجزء الأخير من الكتاب مساحة لشرح مهارة تُعد من أرقى وأعقد القدرات في عالم الموسيقى الأكاديمية، وهي قراءة النص الموسيقي المكتوب لعدة آلات أو ما يُعرف بـ"قراءة السكور الكامل" (Full Score Reading). هذا الجانب من الكتاب لا يستهدف العازفين المبتدئين بقدر ما يخاطب القارئ الذي بلغ مستوى من المعرفة الموسيقية يؤهله لتصور العمل الأوركسترالي بكل طبقاته في اللحظة ذاتها، وكأنه يملك عينًا ثالثة ترى النغم وهو يتشكل من عشرات المصادر في وقت واحد.

يبدأ كارويي بتوضيح أن السكور الكامل هو الصورة البصرية الشاملة للعمل الموسيقي كما يكتبه المؤلف، حيث تُرتّب جميع خطوط الآلات على نحو عمودي، بحيث يمكن رؤية ما تعزفه كل آلة أو مجموعة آلات في اللحظة نفسها. هذه الكتابة تتيح إدرك العلاقات اللحظية بين الأصوات: كيف يتقاطع لحن الكمان مع جواب الفلوت، أو كيف يساند التيباني التوتر المتصاعد في النحاسية.

ويشير كارويي إلى أن قراءة السكور ليست مجرد مهارة تقنية، بل هي أيضًا فن إدراك البنية الكلية، إذ يجب على القارئ أن يتجاوز النظر إلى كل خط موسيقي بمعزل، وأن يربط بين هذه الخطوط ليكوّن الصورة الكاملة. هذا يتطلب ثلاثة مستويات من الانتباه في آن واحد: المستوى الأفقي: متابعة لحن كل آلة على حدة عبر الزمن. المستوى العمودي: فهم اللحظة الصوتية كما تتشكل من مجموع الآلات. المستوى البنيوي: إدراك كيف تخدم هذه اللحظات المتعاقبة البنية العامة للعمل (المقدمة، الذروة، الحل..).

يشرح كارويي عمليًا، كيف تُرتب الآلات في السكور: 1 ـ في الأعلى تأتي الآلات الخشبية (فلوت، أوبوا، كلارينيت، فاجوت)، مرتبة من الأعلى صوتًا إلى الأدنى. 2 ـ يليها قسم النحاسية (ترومبيت، هورن، ترومبون، توبا). 3 ـ ثم الآلات الوترية (كمان أول، كمان ثان، فيولا، تشيلو، كونتراباص). 4 ـ وفي الأسفل تأتي الإيقاعية (تيباني، طبول، آلات نقرية أخرى). 5 ـ وإذا كان هناك بيانو أو هارب أو آلات خاصة، غالبًا ما تُدرج بين النحاسية والوترية.

يوضح أن هذا الترتيب ليس عشوائيًا، بل يهدف إلى تسهيل إدراك الهرم الصوتي، من الأعلى حدةً إلى الأسفل عمقًا. بعد ذلك، ينتقل إلى التحديات العملية التي تواجه من يقرأ السكور الكامل: تعدد المفاتيح: قد يكون سطر الكمان مكتوبًا بمفتاح الصول، في حين يستخدم التشيلو مفتاح الفا، وآلة مثل الكورنو قد تكون مكتوبة في مفتاح مختلف عن صوتها الحقيقي بسبب النقل. (Transposition) التوزيع الهارموني: قد لا يكون كل خط لحني نشطًا طوال الوقت، إذ أحيانًا تحمل بعض الآلات نغمة واحدة ممتدة أو تكرارات إيقاعية، ما يستدعي تدريب العين على تمييز العناصر الأساسية من الخلفية الصوتية. السرعة البصرية: يجب على القارئ أن يطور القدرة على الانتقال من سطر لآخر بسرعة، دون أن يفقد خيط المتابعة الزمنية.

ويشدد كارويي على أن التدريب على قراءة السكور يبدأ بقطع صغيرة وبعدد محدود من الآلات، ثم يتدرج إلى أعمال سيمفونية ضخمة. كما ينصح بالاستماع إلى التسجيلات أثناء متابعة السكور، بحيث يربط القارئ بين العلامات البصرية والصوت الحقيقي، وهي طريقة تجعل القراءة أكثر حيوية وتساعد على تنمية ما يسميه "الأذن الداخلية" ـ أي القدرة على تخيل الصوت بمجرد رؤية النوتة.

من النقاط المميزة في شرح كارويي أنه لا يحصر فائدة قراءة السكور في القادة الموسيقيين (Conductors) أو المؤلفين، بل يرى أنها توسع أفق أي موسيقي أو مستمع جاد، لأنها تكشف كيف تُبنى الألوان النغمية، وكيف تُوزع الأدوار بين الآلات.فعندما يدرك القارئ أن اللحظة العاطفية التي سمعها في تسجيل ما نتجت عن تناغم الفلوت مع الكمانات العالية مدعومًا بنغمة منخفضة من الهورن، يصبح استماعه لاحقًا أكثر وعيًا وإدراكًا للتفاصيل الدقيقة.

ويختم كارويي أن السكور الكامل هو "الخريطة الكبرى للعمل الموسيقي، وأن من يقرأه بوعي يمتلك القدرة على التنقل داخل العالم الصوتي كما لو كان مهندسًا معماريًا يعرف كل جدار وكل قوس في المبنى".

أسلوب كارويي يتسم بالوضوح والإيجاز، لكنه لا يقع في فخ التبسيط المخل، فهو يوازن بين الشرح العلمي والمثال التطبيقي، وبين الجانب البصري من خلال الرسوم والرموز، والجانب السمعي الذي يحيل القارئ إلى التجربة المباشرة. المترجم العربي، ثائر صالح، نقل هذا الأسلوب بلغة سلسة تحافظ على روح النص الأصلية، وتراعي المصطلحات الموسيقية بدقة، ما جعل النسخة العربية – الصادرة عن دار نون للنشر والتوزيع عام 2015 – أداة فعّالة للقارئ العربي الذي يبحث عن مدخل علمي رصين إلى الموسيقى.