الذكاء الاصطناعي طلقة في رأس السينما، طلقتان في رأس مؤلفها

المخرج المعتاد على سرقة الأفكار والمشاهدة واللقطات واسقاطها على الافلام المغربية هو نفسه من يعتمد حاليا على الخوارزميات لانتاج مشروعه القادم.

تعد إشكالية موت المؤلف حقيقية تفرضها التحولات التكنولوجية العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، حينما ولدت الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي قدرة غير مسبوقة على إنتاج النصوص والصور والسيناريوهات والأعمال الفنية بشكل آلي، وهو الأمر الذي جعل المؤلف مهددًا ليس فقط في سلطته الرمزية أو في حقه في التعبير، وإنما في جوهر فعله الإبداعي ذاته.

قامت سينما المؤلف تاريخيا على الدفاع عن الفكرة الأصلية، وعلى اعتبار السينما لغة تفكير فردية، تعبر عن تجربة شخصية حية وتستند إلى رؤية ذاتية للواقع، وهي بذلك محاولة لخلق واقع بصري وفكري جديد، بينما الذكاء الاصطناعي، القائم على إعادة إنتاج ما هو موجود سابقًا وإعادة ترتيبه وفق قواعد تحليلية، يضع هذا التصور أمام مأزق حقيقي، إذ يتحول الإبداع إلى عملية نسخ متقدمة، وهذا بكل بساطة يؤدي الى موت الفكرة الأصلية قبل ولادتها.

وتبرز تجربة سينما المؤلف أن المفهوم مرتبط بالفعل الخلاق نفسه، إذ وُلدت هذه السينما بوصفها ثورة على السينما النمطية، وعلى نظام الاستوديو الذي يفرض على المخرج أن ينفذ سيناريوهات جاهزة دون أن يمنحه أي هامش للابتكار، حين كان جوهر هذا المشروع هو وحدة الرؤية، أي أن يكون السيناريو والإخراج امتدادين لتجربة شخصية واحدة، بينما يصبح المؤلف مفكرًا يشتغل على صياغة معنى العالم من منظوره الخاص، ليصبح كل فيلم تعبيرًا عن موقف فلسفي أو اجتماعي أو نفسي. وغياب هذه التجربة الذاتية يؤدي إلى فقدان الصوت الخاص الذي يميز السينما المؤلفة عن الإنتاج التقليدي.

ويبرز الدفاع الذي قدّمه أندريه بازان وكتّاب مجلة "كراسات سينمائية" عن مفهوم المؤلف السينمائي أن الرهان عبارة عن حماية للحرية الفكرية للفنان، لان المشروع ارتبط بتاريخ طويل من مقاومة القيود المفروضة من قبل صناعة السينما التقليدية، وأكد على ضرورة أن يكون المخرج صاحب الرؤية الكاملة، أي أنه مؤلف بمعنى الكلمة، وحين تُفصل الفكرة عن تجربة المؤلف الشخصية، يتحوّل الفيلم إلى منتج تقني بلا بعد وجودي، فاقد للطابع الإبداعي الذي يميزه.

تُظهر تجربة الموجة الجديدة الفرنسية أن سينما المؤلف قامت على الكتابة بضمير المتكلم، وعلى رفض الراوي الكلي المعرفة، وعلى نقل التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها وهشاشتها. فقد كانت هذه السينما تعبيرًا عن تجربة شخصية صادقة، تُقدّم صورة العالم من منظور فردي فريد، بينما يكشف هذا الأسلوب أن الإبداع  يولد من الشك والتردد والانحراف عن المسار المتوقع، ومن هنا فإن أي عمل يستند إلى إعادة إنتاج الأنماط السابقة، دون مساءلتها، يفقد جوهر هذه الرؤية، ويصبح بعيدًا عن المعنى الحقيقي للإبداع.

ويأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليقدّم نموذجًا مغايرًا للإنتاج الفني والثقافي، قائمًا على تجميع وتحليل كميات هائلة من النصوص والصور السابقة، ثم إعادة تركيبها في صيغ جديدة، لان الخوارزمية تحلل ما هو موجود. وهي بذلك لا تبتكر سؤالًا، ولا تخوض تجربة، ولا تنتج معنى جديدًا، لانها بكل بساطة تكرر الأنماط السابقة بصيغ مختلفة، وهذا الفرق بين المؤلف والخوارزمية يكشف حدود ما يمكن اعتباره إبداعًا، ويبرز تهديدًا مباشرًا لمفهوم الفكرة الأصلية في الثقافة المعاصرة.

ويبقى المخرج السينمائي المغربي الذي اعتاد مثلا ان يسرق الأفكار والمشاهدة واللقطات ويسقطها على الافلام المغربية هو نفسه من يعتمد حاليا على الذكاء الاصطناعي بوصفه مادة منتجة لمشروعه القادم، بينما أيضا أغلب كتاب الدراما التلفزيونية وكتاب الإعلام والصحافة والنقد يقومون بإعادة تدوير كتبته عقول تنتج الفكرة الأصلية قبل النص.