'إثبات نسب' يضع درة في صراع الأمومة والهوية

دراما مشوقة ترصد كيف يمكن للشك أن يهز اليقين ويضع أما في مواجهة مجتمع كامل دفاعا عن طفلها وحقها في الحقيقة.

القاهرة ـ بعد خروجه من الموسم الرمضاني 2024 ـ 2025 دخل مسلسل "إثبات نسب" مبكرا دائرة الاهتمام قبل انطلاق سباق دراما رمضان الحالي، بعدما طرحت شبكة تليفزيون النهار البوستر الرسمي للعمل عبر حسابها على موقع إنستغرام، معلنة انضمامه إلى خريطة عرضها للموسم.

ووصفته القناة بأنه قد يكون "الحصان الأسود" للدراما الرمضانية، استنادا إلى طبيعة القضية الإنسانية والاجتماعية التي يطرحها، إضافة إلى الدور المركب الذي تؤديه الفنانة درة، والذي يُعد من أبرز تحدياتها الفنية في السنوات الأخيرة.

المسلسل من تأليف الكاتب محمد ناير وإخراج أحمد عبده، ويشارك في بطولته عدد من النجوم، بينهم محسن محيي الدين، محمود عبدالمغني، ياسر علي ماهر، محمد علي رزق، هاجر الشرنوبي، وأحمد جمال سعيد. ويعتمد العمل على حبكة درامية متصاعدة تطرح تساؤلات حول الهوية والانتماء والثقة، عبر قصة تمزج بين التوتر الاجتماعي والصراع النفسي.

تدور أحداث "إثبات نسب" حول امرأة بسيطة تعيش حياة مستقرة نسبيا، قبل أن تنقلب حياتها رأسا على عقب عندما يصبح طفلها الوحيد محور نزاع كبير تحركه المصالح والنفوذ. وتبدأ الأزمة مع اتهامات وتشكيك في نسب الطفل، ما يفتح بابا لصراع قانوني واجتماعي معقد، تجد فيه الأم نفسها تحت ضغط متزايد من المحيطين بها.

ومع تصاعد الأحداث، في مواجهة إثبات حقيقة قانونية، تتحول إلى رحلة نفسية قاسية، حيث تتعرض البطلة للتشكيك في روايتها، بل وفي سلامتها النفسية وذاكرتها. هذا المسار الدرامي يضع الشخصية الرئيسية أمام اختبار وجودي بين الاستسلام للضغوط أو التمسك بالحقيقة دفاعا عن طفلها وكرامتها.

وتصف درة تجربتها في العمل قائلة، "الشخصية تمر بمراحل نفسية شديدة التعقيد. هي أم عادية تجد نفسها فجأة في حرب لا تشبهها، لكن حبها لطفلها يمنحها قوة غير متوقعة. ما جذبني للدور هو إنسانيته، لأنه يلامس مخاوف حقيقية قد تواجه أي أم"، وتؤكد أن المسلسل لا يكتفي بطرح قضية النسب، بل يسلط الضوء على هشاشة العلاقات الاجتماعية عندما تتداخل المصالح مع الروابط الأسرية.

ويعتمد السيناريو على تصاعد تدريجي في الأحداث، حيث تتكشف خيوط الصراع حلقة بعد أخرى، وتظهر شخصيات تحمل دوافع متشابكة، بعضها يسعى لحماية مصالحه، وأخرى تحاول البحث عن الحقيقة. هذا التشابك يمنح العمل بعدًا إنسانيًا، ويجعل المشاهد شريكًا في رحلة البحث عن اليقين وسط الضباب.

ويوضح الكاتب محمد ناير رؤيته قائلا، "القصة ليست قانونية فقط، بل إنسانية بالدرجة الأولى. أردت طرح سؤال بسيط لكنه مؤلم: ماذا يحدث عندما يُسلب الإنسان حقه في تصديق نفسه؟ من هنا انطلقت تفاصيل السيناريو"، مشيرا إلى أن الشخصيات كُتبت بعيدا عن النمطية، بحيث تعكس تعقيدات الواقع، ما يمنح الصراع مصداقية وتأثيرا أكبر.

ومن جانبه، يؤكد المخرج أحمد عبده أن العمل يعتمد على أسلوب بصري يعكس التوتر النفسي للشخصيات، موضحا "حرصنا على تقديم صورة قريبة من التفاصيل الإنسانية، بإيقاع متصاعد يسمح للمشاهد بالتفاعل مع الحالة النفسية للأبطال. الهدف كان أن يشعر المتلقي بأنه جزء من الأزمة، لا مجرد متابع لها"، مضيفا أن التعاون بين فريق التمثيل أسهم في خلق حالة من الانسجام، خاصة في المشاهد التي تتناول المواجهات الحادة، ما عزز من واقعية الأداء.

ويلعب محسن محيي الدين دور شخصية محورية تتقاطع مصالحها مع قضية الطفل، ويعلق "الدور يطرح تساؤلات أخلاقية حول السلطة وحدودها، الشخصية ليست شريرة بالمطلق، لكنها نتاج ظروف معقدة". أما محمود عبدالمغني، فيقدم شخصية تقف في منطقة رمادية بين الدعم والتردد، قائلا "العمل يبتعد عن الحلول السهلة، ويترك للمشاهد مساحة لفهم دوافع كل شخصية".

وتشير هاجر الشرنوبي إلى أن دورها يكشف تأثير الشائعات والأحكام المسبقة على حياة الأفراد، مؤكدة أن العمل يعكس واقعا اجتماعيا ملموسا. بدوره يرى ياسر علي ماهر أن المسلسل يذكر الجمهور بأن الحقيقة قد تضيع وسط الضجيج، بينما يؤكد محمد علي رزق أن قوة النص تكمن في تعدد وجهات النظر، ما يمنح الصراع عمقًا إنسانيا.

يتناول "إثبات نسب" قضايا الثقة والعدالة والهوية، ويطرح تساؤلات حول دور المجتمع في تشكيل الحقيقة، فبين القانون والعلاقات الأسرية، تصبح الأم في مواجهة منظومة كاملة، ما يعكس صراعات قد يعيشها كثيرون بصور مختلفة.

ومع طرح البوستر الرسمي والترويج للعمل، تصاعدت توقعات الجمهور بشأن المسلسل، خاصة في ظل مشاركة فريق تمثيلي متنوع وقصة تحمل أبعادًا إنسانية قوية. ويبدو أن العمل يراهن على الجمع بين التشويق والطرح الاجتماعي، لتقديم تجربة درامية تلامس قضايا حساسة بأسلوب فني متوازن.

ويقدم "إثبات نسب" حكاية إنسانية عن أم تواجه عالما مليئا بالشكوك دفاعا عن طفلها، في رحلة تتقاطع فيها الحقيقة مع الذاكرة، والعدالة مع النفوذ. وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحًا: هل تنتصر الحقيقة دائمًا، أم أن الطريق إليها أكثر تعقيدا مما نظن؟