إصدار نقدي جديد يفاقم أوجاع السودانيين

إصدار ورقة الألفي جنيه سيبقى مجرد رقم إضافي في مسار الانهيار المستمر لقيمة العملة السودانية.

بورتسودان - في لحظة يختلط فيها الاقتصاد بالسياسة وتتصاعد فيها تداعيات الحرب التي تعصف بالسودان منذ أكثر من عام، أعلن البنك المركزي السوداني عن إصدار ورقة نقدية جديدة من فئة الألفي جنيه، إلى جانب طبعة معدّلة من فئة الخمسمائة جنيه، في خطوة برّرها بأنها تهدف إلى "تحسين جودة التداول ومكافحة التزوير"، غير أن القرار أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى موجة تضخم جديدة ويقوّض ما تبقى من ثقة المواطنين بالعملة الوطنية.

وفي بيانه الرسمي، أوضح البنك أن الإصدار الجديد يتميز بعناصر تأمينية حديثة تشمل العلامة المائية والنقوش البارزة والألوان المتدرجة، إلى جانب رموز ملموسة على الأطراف لتسهيل الاستخدام من قبل المكفوفين. واعتبر أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة لتحديث النقد الوطني ومواكبة التطورات التقنية في الطباعة، إلا أن السياق العام للاقتصاد السوداني لا يبدو مهيئا لاستقبال إجراء نقدي من هذا النوع دون تكلفة باهظة.

وترى الخبيرة الاقتصادية نازك شمام أن طرح فئة نقدية مرتفعة القيمة هو "حل نقدي سريع لا يلامس جذور الأزمة المالية"، مشيرة إلى أن سعر الدولار تجاوز حاجز 3500 جنيه سوداني في السوق الموازي، ما يعكس انهياراً متواصلاً في قيمة الجنيه.
وتحذّر شمام من أن طباعة النقود من دون غطاء نقدي كافٍ أو احتياطي ذهبي فعلي "تفاقم الاختلالات وتزيد الضغوط التضخمية"، مؤكدة أن القرار قد يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين الذين يواجهون أصلاً مستويات غير مسبوقة من الغلاء ونقص السلع.

نقود جديدة... وتضخم أعمق في السودان
نقود جديدة... وتضخم أعمق في السودان

ويذهب محللون إلى أن إصدار فئات نقدية كبيرة يعكس إقرارا ضمنياً بتراجع القوة الشرائية للعملة وفقدان السيطرة على معدلات التضخم، وهو ما يشبه "الاعتراف بالعجز عن الإصلاح الحقيقي"، فبدلاً من معالجة الأزمة عبر سياسات إنتاجية وضبط الإنفاق العام، تلجأ السلطات إلى إجراءات نقدية شكلية تسرّع دورة التضخم.

ويتزامن القرار مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي دمّرت البنية الاقتصادية وأدت إلى نزوح ملايين المواطنين وانهيار سلاسل الإمداد. وفي ظل هذا الواقع، تبدو خطوة البنك المركزي "خارج السياق"، إذ يصعب تطبيق سياسات نقدية مستقرة وسط غياب مؤسسات الدولة وتراجع الإيرادات العامة.
ويشير اقتصاديون إلى أن كلفة الطباعة نفسها قد تشكل عبئاً جديداً على الخزينة، كونها تتطلب ملايين الدولارات بالعملة الصعبة، في وقت يعاني فيه السودان من شح حاد في احتياطيات النقد الأجنبي. وتلك الموارد، كما تقول شمام، "كان يمكن توجيهها إلى قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والخدمات العامة".

ويتجاوز الجدل حدود الاقتصاد إلى البعد السياسي، إذ يرى مراقبون أن قرارات البنك المركزي تُستخدم أحياناً كوسيلة لإظهار "قدرة الدولة على الاستمرار"، حتى في ظل الحرب، لكنها في الواقع قد تعمّق فقدان الثقة بالمؤسسات المالية.
ويؤكد محللون أن المواطن السوداني بات ينظر إلى كل إصدار نقدي جديد بوصفه مؤشراً على ضعف الاقتصاد، لا على تحسّنه، مما يزيد الميل إلى الادخار بالدولار أو الذهب ويُسرّع ظاهرة "دولرة السوق".

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الورقة الجديدة محاولة رمزية لترميم صورة العملة السودانية أكثر مما هي خطوة إصلاحية حقيقية، فبين تضخم جامح، وانقسام سياسي، واقتصاد حرب يستهلك ما تبقى من موارد الدولة، يصبح النقد الجديد شاهداً على عمق الأزمة لا مخرجاً منها.
وما لم تُرفق هذه الخطوة بسياسات اقتصادية شاملة لإعادة بناء الثقة والإنتاج، فإن إصدار الألفي جنيه سيبقى مجرد رقم إضافي في مسار الانهيار المستمر لقيمة العملة السودانية.