إضاءة حول بواكير صناعة الحرية في العراق
أثبتت التنقيبات الأثرية أن أقدم مجلس سياسي (برلمان) كان قد انعقد على أرض العراق، البلاد المعروفة قديما باسم سومر الواقعة بين نهري دجلة والفرات قبل نحو خمسة آلاف سنة، أي في حدود 3000 قبل الميلاد، وتكون من مجلس الأعيان أي مجلس الشيوخ ومجلس النواب، فضلاً عن المواطنين الذكور القادرين على حمل السلاح، وكان ذلك البرلمان (برلمان حرب) دعي للانعقاد ليتخذ قراراً في أمر خطير يخص الحرب والسلم.
كشفت تنقيبات الفرنسيين بالعراق سنة 1878 في أطلال مدينة لكش عن أقدم القوانين والشرائع، متمثلة في أربع نسخ مختلفة الأشكال لوثيقة منقوشاً فيها إصلاحات الملك السومري اروركاجينا، ويرجع تاريخها الى سنة 2355 ق.م، وتضمنت محتوياتها تفاصيل أقدم إصلاح اجتماعي عرفته البشرية، فقد نادت تلك المدونة صراحة بأهمية حقوق الإنسان، مؤكدة على حريته، رافضة كل ما يتناقض مع ذلك، ومما دونه المؤرخ السومري في تلك الوثيقة حول الإصلاح، ما يفيد أن اوروكاجينا أعاد العدل وأرجع حرية المواطنين وألغى الضرائب، فضلاً عن أزالته المظالم والاستغلال مما كان يقع على الفقراء من جانب الأغنياء، وقد أظهرت تلك الوثيقة كلمة الحرية لأول مرة في التاريخ البشري.
وعلى الرغم من تلك الشواهد، كان لافتاً موقف البعض من المثقفين ممن اصطف -من دون قصد ربما- مع رؤى الغرب السائدة، حين ذهب إلى تبني نظرة استشراقية حول تلك الاشراقة، متجاوزاً بواكير حضارة وادي الرافدين في ذلك الشأن، غاضاً الطرف عن تلك الالتماعات، بوصفها إرهاصات لابتداء الإنسانية في صناعة الحرية، ومتسقاً في رؤاه مع نظرة الغرب التي رأت بأن دول المدن اليونانية القديمة، ومن بعدها روما، كانت من الأوائل تاريخياً في معرفة الدساتير العرفية، وإن الأخذ بالدساتير كان جغرافياً محصوراً بشرق البحر الأبيض المتوسط، علماً ان آخر توظيف غربي في مجال الاكتشافات الايركولوجية صدر مؤخراً، لا يخفي تكريس مركزية الغرب، حين أعلن عن العثور في تركيا سنة 2005 على بقايا مبنى قالوا انه كان أول برلماني فيدرالي إغريقي أسس سنة 1800 قبل الميلاد.
وإذا كان لنا أن نتعرف على الانعطافة التي تمثلت في الاكتشافات الأثرية ودراسات التاريخ القديم في القرن العشرين، يمكن القول بلا أدنى مبالغة أنها قد بينت بصورة لا تقبل الجدل على أساس كون الشعوب والأقوام في الحضارات الشرقية القديمة قد صاغت بواكير النواظم للعلاقة الاجتماعية والمعاملات التجارية، وبلورت منظومة من القوانين والشرائع المدونة، ولعل ما يجب أن يذكر ويقال في سياق هذا العرض التاريخي المختصر، إن أولى تلك المنجزات التي صاغتها وأنتجتها الحضارات القديمة في وادي الرافدين، هي شريعة أورنمو(2111-2003 ق.م)، وشريعة لبت عشتار (2017-1794 ق.م)، وقانون أيشنونا (قبل شريعة حمورابي بقرنين)، ومن ثم شريعة حمورابي (1792- 1750 ق.م).
ليس ثمة أكثر دلالة، على أن بواكير الإنسانية في صناعة الحرية بانت في بابل سيدة حواضر العالم القديم بشهادة نص ورد في مقدمة شريعة حمورابي، جاء فيه:
لأوطد العدل في البلاد،
لأقضي على الخبيث والشر،
لكي لا يستعبد القوي الضعيف
ولكي يعلو (العدل) كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود
ولكي ينير البلاد
من اجل خير البشر
الدستور في العصر الحديث
لا بد من الإشارة في البدء إلى أن المدلول اللغوي لكلمة الدستور في اللغة الإنكليزية تعني التأسيس أو التكوين (Constitution)، وإما في اللغة العربية فاستعمال كلمة الدستور والتي هي من أصل فارسي يفيد الإشارة الى ما يتعلق بالحكم فـ"دست" معناها يد، أما "ور" فتعني صاحب، وكذلك معناها الإذن أو الترخيص، وقد ذكر العلامة مصطفى جواد في المعجم المستدرك بأن: الدُستور بضم الدال فارسي معرب ومعناه الوزير الكبير الذي يرجع اليه في الأمور وأصله الدفتر الذي يجمع فيه قوانين الملك وضوابطه فسمي به الوزير لأن ما فيه معلوم أو لأنه مثله في الرجوع اليه أو لأنه في يده أو لأنه لا يفتح إلا عنده.
الدساتير المكتوبة على مدى القرنيين الماضيين أصبحت هي القاعدة في جميع أنحاء العالم.
ثمة تعاريف كثيرة للدستور، ولكن راق لي التعبير الذي ذكر بأن الدستور هو: صناعة الحرية، وإذا كان هنالك من تعريف وسط يجمع بين رؤى الأكاديميين الموزعة بين اتجاهين، فيمكن أن يذكر بأن الدستور هو: مجموعة القواعد التي تحدد في نظام حر السلطات العامة وحقوق الأفراد. أما إذا أردنا معرفة مفهوم الدستور السياسي، فلا بد من تحديد وإدراك معنيين لكلمة الدستور، الأول: معنى مادي أو موضوعي، إذ يراد بكلمة دستور مجموعة القواعد المتعلقة بتنظيم نشاط وفعاليات الدولة.
والثاني: معنى شكلي يراد به الوثيقة التي تنظم عمل المؤسسات، كما ورد تعينه تلك الوثيقة بأن تحضير موادها وتعديلها لا يمكن أن يتم إنجازه إلا وفق شروط خاصة تختلف في أقامتها عن القواعد القانونية الأخرى.
تقتضي الضرورة الإشارة هنا الى أن الدستور كعرف منظم ومكتوب في التاريخ الحديث، هو بالأصل منجز غربي، أو توخياً للدقة أنه من نتاج الثورتين الأميركية والفرنسية في القرن الثامن عشر، وقد عد الدستور الأميركي الصادر سنة 1789 عميد الدساتير المكتوبة في العالم.
وجاء إعلان لائحة حقوق الإنسان في بداية عهد الثورة الفرنسية من قبل الجمعية الوطنية في 26 أغسطس/آب 1789، وهي مقدمة للدستور الفرنسي، فقد أبرزت تلك اللائحة حقوق المواطن الأساسية على الدولة، ونلحظ بأنها قد تأثرت بشكل واضح بنصوص وثيقة إعلان حقوق الإنسان الأميركية، كذلك بأفكار فولتير ومونتسكيو وروسو، وقد أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية الدستور بعد أمد غير طويل في 14 سبتمبر/أيلول 1791.
ومن الجدير بالذكر أن للدستور البريطاني غير المكتوب أسبقية على غيره من الدساتير في العالم، حيث صدرت مجموعة من التشريعات الدستورية المتفرقة وفي أزمان مختلفة منها العهد الأعظم (Magna carta) سنة 1215، ولائحة الحقوق (Bill of rihhts) سنة 1689، وقانون وراثة العرش (Act of serrlment) سنة 1701، وتشريع الإصلاح سنة 1832.
لقد أصبحت الدساتير المكتوبة على مدى القرنيين الماضيين، هي القاعدة في جميع أنحاء العالم حيث أن للدستور مركز الصدارة بالنسبة لسائر قوانين الدولة، ولهذا يتعين احترام نصوصه وقواعده والعمل في نطاق الدستور وبمقتضاه. فالدستور يعلو ويسمو على القوانين الأخرى العادية الموجودة في الدولة. وهو الذي يقوم بتنظيم الدولة أو تنظيم ممارسة السلطة فيها. وهذه السلطة بشكلها الذي يضع القوانين (السلطة التشريعية)، وبشكلها الذي ينفذ القوانين (السلطة التنفيذية)، أو بشكلها الذي يقوم بتطبيق هذه القوانين (السلطة القضائية)، تكون بمجموعها هيئة أو جهاز السلطة والتي يجب أن تخضع للدستور، وذلك لأن الدستور هو الذي أوجد هذه السلطات وحدد اختصاصاتها ونشاطاتها.
أول دستور عراقي معاصر
سعت الإدارة البريطانية مطلع تأسيس الدولة العراقية تجاه صياغة الدستور العراقي باندفاع واضح، ويبدو أن بواعث ذلك الاندفاع متأتية بسبب وجود نصوص صريحة جاءت بثلاثة تعهدات ألزمت الإدارة البريطانية نفسها بإنجاز وثيقة الدستور، وهي أولاً: المادة الأولى من لائحة الانتداب البريطاني على العراق.
وثانياً: اشتراطات صيغة البيعة للأمير فيصل بملوكية العراق.
وثالثا: ما تضمنته المادة الثالثة من المعاهدة العراقية-البريطانية الموقع عليها ببغداد في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1922، والتي مثلت صيغة جديدة لهيمنتها على مقدرات العراق بديلاً عن الانتداب. ومهما تعددت الأسباب الموجبة لذلك، فقد كان تأسيس نظام حكم في العراق يرعى المصالح البريطانية هدفاً رئيسياً جعل من وزارة المستعمرات البريطانية في لندن أن تعهد الى المندوب السامي ببغداد بالشروع لوضع لائحة الدستور العراقي، فتألفت لجنة قوامها، المندوب السامي نفسه، والميجر دبليو جي يونغ الموظف في دائرة الشؤون الشرقية في وزارة المستعمرات البريطانية الذي الحق بدار المندوب السامي، والمستر أيم اي دراورد المستشار القضائي في الدار المذكورة، وقدمت تلك اللجنة لائحة عدها الوطنيون العراقيون بمثابة وسيلة من الوسائل السياسية للحفاظ على أحكام المعاهدة العراقية-البريطانية الأنفة الذكر، وقد أرسلت تلك اللائحة أوائل عام 1922 الى وزارة المستعمرات مع الميجر يونغ، لتدقيقها من قبل الموظفين المختصين، وقد أجرت الوزارة المذكورة تعديلات هامة عليها، وأعادتها الى مندوبها في العراق ليقدمها الى الحكومة العراقية، فلما تسلمتها الحكومة العراقية، ألفت لجنة لتدقيقها قوامها وزير العدلية ناجي السويدي، ووزير المالية ساسون حسقيل، ومستشار وزارة العدلية المستر دراورد، والمشاور الحقوقي في دار المندوب السامي نايجل دافيدسن، ثم انضم الى هذه اللجنة رستم حيدر ممثلاً للملك فيصل، وقد وجد العراقيون الأعضاء في تلك اللجنة أن اللائحة لا تنطبق على الأحوال السائدة في العراق، ولا تلائم أوضاعه العامة، فقاموا بإعداد لائحة جديدة تضمنت تعديلات ضرورية على اللائحة الأصلية، وقد استمدت تلك التعديلات مفاهيمها من الدستور العثماني ومن بعض دساتير الأمم الأخرى ومنها اليابان، ونظراً لاختلاف وجهات النظر بين أعضاء اللجنة من العراقيين والبريطانيين حول تلك التعديلات فقد جرى تدوين اللائحتين الأصلية والجديدة في مذكرتين منفصلتين وأرسلتا الى وزارة المستعمرات في لندن لتقول كلمتها الأخيرة، وبدورها قامت بدراستهما وأجرت موائمة توافقية بين اللائحتين بعد أن استعانت بدساتير عديدة شرقية وغربية آخذة بنظر الاعتبار معظم التعديلات التي أرادها الوزيران العراقيان، ولِمَ لا مادامت هي التي كانت توجه سياسة البلد الداخلية والخارجية بحسب رغباتها.
العراقيين اليوم بعد مئة عام على صدر دستور 1925، بانتظار مفارقة تعاكس السكونية التي وضعت دستور 2005 أمام استحقاق التعديل
وبعد أن أعادت الحكومة البريطانية لائحة الدستور بالصيغة المعدلة عهدت الحكومة العراقية بها الى لجنة خاصة بوزارة العدلية قوامها ثلاثة أعضاء من الحكام وثلاثة أعضاء من الحقوقيين برئاسة وزير العدلية، وكان يومئذ عبد المحسن السعدون، وأشركت المستشار القضائي، وانضم اليها السيدان ناجي السويدي ورؤوف الجادرجي كمشاورين، فرأت اللجنة ضرورة تعديل بعض المواد فيها، ودونت ملاحظاتها في مذكرة قدمتها الى مجلس الوزراء بهدف إقرارها، فتولاها مجلس الوزراء بالتدقيق والدرس أيضا، ولم تر الحكومة البريطانية مانعاً من قبول تلك التعديلات المقترحة عليها.
لائحة الدستور العراقي
استغرقت المفاوضات والمراسلات بين بغداد ولندن حول لائحة الدستور العراقي أكثر من عامين، وبمحاذتها في المدة ذاتها شهدت الحياة السياسية دوراً متميزاً للحركة الوطنية العراقية التي قادت نشاطات المقاطعة الشعبية لانتخابات المجلس التأسيسي التي وصف عبد الرزاق الحسني الاستجابة الشعبية بأنها سرت في الشعب سريان النار في الهشيم، فكان لها تأثيراً قليلاً أو كثيراً على ما يدور في أروقة الأجهزة الرسمية سواء العراقية أو البريطانية بخصوص إعداد الدستور.
وعرضت صيغة الدستور النهائية على المجلس التأسيسي الذي أجتمع لأول مرة في 27 مارس/آذار 1924، حيث كانت مهامه محصورة بإقرار الدستور والمعاهدة العراقية-البريطانية وقانون انتخاب مجلس النواب. وقد أناط رئيس المجلس التأسيسي مهمة دراسة لائحة الدستور العراقي إلى لجنة من أعضاء المجلس مكونة من خمسة عشر مندوباً يمثلون ألوية العراق كافة. فعقدت تلك اللجنة جلسات لتدقيق اللائحة، ولم تستطع الحكومة ولا وزارة العدلية تأمين ما طلبته اللجنة المذكورة سواء بشأن من ينوب عنها لتوضيح رأي الحكومة أو تمكين اللجنة الإطلاع على الأوليات والمعلومات المتعلقة بتنظيم اللائحة أو المراسلات والمخابرات التي جرت بصددها.
ومع ذلك فقد أذاعت لجنة الدستور بلاغاً عاماً ناشدت فيه العراقيين من المختصين أن يوافوها بما لديهم من ملاحظات وانتقادات، ولكن أحداً لم يلبِ الطلب فشرع المندبون يلقون ما عندهم من إيضاحات وبيانات، وهي بنظر عبد الرزاق الحسني (لا تسمن ولا تغني من جوع)، ورغم ذلك كانت تلاقي رفض المندوب السامي الذي سعى في محاولات عديدة مفاتحاً الحكومة العراقية بعدم جواز التعديل ولا يمكن التصويت عليها قبل اطلاع حكومته، وحذر من أن التغيرات اللفظية تحدث التباساً أو إبهاماً في وثيقة خطيرة كتلك، ونهج المندوب السامي وبعض الوزراء توجيه الاعتراضات خلال المناقشات على ما قدم من مقترحات للتعديل، وكثيراً ما كان المجلس يقر تعديلاً ثم لا يلبث أن يضطر الى إلغائه بعد بيان مطول يلقيه احد الوزراء، أو اعتراض خطير يرفعه المندوب السامي الى الملك فيصل، ومراجعة محاضر جلسات المجلس التأسيسي في مجلديه الأول والثاني يكاد يلمس الشواهد والأمثال الكثيرة على ذلك.
وصادق مجلس النواب على الدستور بعد أن استغرقت المناقشات ثماني عشر جلسة انتهت في 10 يوليو/تموز 1924، ولكن الملك فيصل أرجأ المصادقة عليه استجابة لمشورة الحكومة البريطانية بالتريث الى حين الانتهاء من المفاوضات بين الحكومة العراقية وشركة النفط التركية الجارية حول منحها امتياز التنقيب عن النفط في الأراضي العراقية لوجود فقرة في الدستور تحدد منح امتياز استثمار موارد البلاد بثلاثة سنوات فقط مما يستوجب فيما إذا زادت الفترة عن ذلك أن يقترن ذلك الامتياز بقانون خاص، بمعنى أن التريث حصل تلافياً لعرض منح الامتياز المذكور على مجلس الأمة، وما أن تم إنجاز ذلك الأمر في 9 مارس/آذار 1925، حتى نشر الدستور العراقي في 21 من الشهر نفسه.
الصيغة النهائية
لقد جاءت الصيغة النهائية للقانون الأساسي (دستور 1925)، في (123)، مادة موزعة على مقدمة وعشرة أبواب، وأحتوى على هيكلية وأسس الدولة العراقية، وإن العراق دولة ذات سيادة (لا تخلو صيغة الدستور النهائية من ركاكة في اللغة حين عد العراق مونثاً)، وحكومته ملكية وراثية نيابية، والأمة هي صاحبة السيادة، والبرلمان هو مجلس الأمة ويتألف من مجلسين هما النواب والأعيان، يتكون مجلس النواب من أعضاء منتخبين على أساس نائب لكل عشرين ألف ناخب من الذكور، وأن الملك مصون وغير مسؤول، ويختص مجلس الأمة مع الملك بوضع القوانين وتعديلها وإلغائها، وحدد الحقوق والواجبات للمواطن والشعب، وللسلطة والمجتمع ضامناً الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، متضمناً بعض الأحكام والمبادئ المتقدمة، مثل النص على المساواة بين العراقيين وإن اختلفوا في القومية والدين واللغة، وصيانة الحرية الشخصية، وعدم إجبار مواطن على تبديل مسكنه، ومنع تعذيب ونفي المواطنين، وحرمة المنازل، ومنع نزع الملكية ومصادرتها، وحرية الرأي والنشر والاجتماع وتأليف الجمعيات، وحظر مراقبة البريد والهاتف. وقد نجح المجلس التأسيسي في وضع الخطوط العريضة للدولة، والأسس الثابتة لها، لكنه فشل في تحقيق أية مصالح وطنية بالرغم من وجود أصوات ديمقراطية قليلة لم يؤخذ بها.
التعديلات التي جرت على القانون الأساسي (دستور 1925)
ثمة حاجة أو ضرورة برزت مع مرور الأيام استدعت تعديل الدستور، ومن المفترض أن تضيف تلك المستجدات الى مواد الدستور ما يجعله مواكباً لحاجات وأمال مواطنيه من حيث تلبية الحاجات الإنسانية، وصيانة سلامة البلد، وتحسين مسيرة التنمية فيه لضمان مستقبل رغيد، مثلما هناك مواد أساسية في الدستور تبقى ثابتة لا مبرر لتغيرها إذا كانت مستوفية مدى وأبعاد التجربة الإنسانية مثل الحريات وتحديداً إذا جاءت نصوصها وفق التشريعات والمعاهدات واللوائح الدولية.
وفي ظل الدستور العراقي الأول الذي بقي نافذاً لثلاثة عقود ونيف، جرت ثلاث تعديلات عليه، وهي في الغالب تعديلات لأمور إدارية بعيدة عن هواجس الناس، وأخرى لترميم ثغرات تخص شؤون النظام الحكومي القائم هادفة الى تحصينه. ففي أواخر يوليو/تموز 1925، ادخل تعديل أولي من قبل البرلمان العراقي بخصوص غياب الملك عن العراق، ومنح مخصصات لأعضاء البرلمان.
وحصل التعديل الثاني على الدستور بعد حركة أيار/ماي 1941، أي بعد حدث مفصلي عصف بالحكومة وبالوجود البريطاني، ووصف ذلك التعديل بالخطير، وهو لا يعدو أكثر من كونه ترميماً لثغرات قانونية تكشفت في تلك الأحداث، أريد بها حماية وصيانة النظام الحكومي وقت الطوارئ. وإما التعديل الثالث والأخير، فجاء تلبية لحدث إعلان الاتحاد العربي بين العراق وشرق الأردن، وجرى التعديل قبل شهرين من ثورة 14 يوليو/تموز، في 10 ماي/أيار 1958، وهو الذي أجاز للملك أن ينشئ اتحاداً مع دولة عربية واحدة أو أكثر.
إن لبقاء الدستور في حالة سكونية دلالات متعددة وربما متباينة الأوجه، فمهما عكست من استقرار لمسار العملية السياسية في البلد فأن ما استجد من معطيات وما حصل من متغيرات في مختلف الصعد سواء داخل البلد أو خارجه وخاصة في شؤون الإدارة والتنمية أو القضايا التي تمس شجون وحياة الناس مثل حقوقهم وحرياتهم، تستدعي إعادة النظر استجابة لضرورات التغيير نحو الأفضل بالاتساق مع معطيات وتطورات كافة الاوضاع، بيد أن متأمل المشهد السياسي سيكتشف أن الطبقة المتسيدة لم تكن بحاجه الى تعديلات مادامت قد ضمنت تحقق مصالحها في كل المتغيرات، وسلطتها سارية وبعيدة عن المخاطر.
ولابد لنا من الإشارة الى تعجل ثورة الرابع عشر من يوليو/تموز 1958 في اصدار الدستور المؤقت، حيث صدر بعد قيامها بثلاثة عشر يوماً في 27 يوليو/تموز 1958، ولم يسلم من التعديلات العديدة التي طالته خلال الحكومات العراقية المتعاقبة.
يبدو أن العراقيين اليوم بعد مئة عام على صدر دستور 1925، بانتظار مفارقة تعاكس السكونية التي وضعت دستور 2005 أمام استحقاق التعديل، بوصفها خطوة من أهم مفاتيح اصلاح النظام السياسي القائم، وهذا الرأي لا يعدو أكثر من كونه قراءة مستمدة من مجريات الأحداث عبر التمعن في المشهد السياسي المأزوم الناجم عن الاختلاف بين أفراد الطبقة الحاكمة نفسها حول نقاط جوهرية ترجع في الأساس الى طبيعة الدستور المُعتمد على نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، منبع الفساد المالي والإداري والسياسي، ومع هذا فالتساؤل يبقى منطقياً، متى نتخلص من المعاناة التي وضعت الشعب العراقي أمام مشكلات عميقة وحادة؟ ويا ترى ماذا سيخبأ القدر من تعديلات لدستورنا الحالي المليء بالعيوب في ظل التجاذبات والاختلافات القائمة حول بنود متعددة فيه؟ وهي بنظر كل الفرقاء بمثابة (ألغام) وخطوط حمراء. أنه مجرد تساؤل مشروع لا بد أن تجيب عليه الأيام القادمة.