إعلانات الطرق في القاهرة مصدر إيرادات للدولة يزعج السائقين
القاهرة - لم تخل طرق العاصمة المصرية القاهرة يوما من التحديات سواء بسبب الازدحام المروري أو العقبات المتنوعة، مثل الحُفر والعربات التي تجرها الحمير، لكن سائقي المركبات الآن مضطرون لمواجهة خطر آخر وهو انتشار لوحات إعلانية بأضواء وامضة ومبهرجة تتنافس على جذب انتباههم المشتت بالفعل.
وتقول شركة (آد مزاد) لتحليلات الإعلانات والإعلام إن عدد اللوحات الإعلانية الكبيرة التي تصطف على طرق القاهرة زاد بأكثر من المثل خلال السنوات الست الماضية، بعد أن كان كبيرا بالفعل، ليصل إلى نحو 6300 من قرابة 2500 لوحة إعلانية في 2019.
يعني ذلك وجود أكثر من 30 إعلانا لكل كيلومتر مربع من المساحة المأهولة بالسكان، دون حتى احتساب الإعلانات الرقمية الجديدة الوامضة، والتي زادت بأكثر من عشرة أمثال خلال الفترة نفسها إلى أكثر من 300 إعلان حاليا.
وقال عاصم ميمن الشريك المؤسس والعضو المنتدب في الشركة "لسه مطلعين تقرير عن النص الأول من 2025، أعلى نسبة إشغال في 10 سنين، إحنا بنتكلم في 89 بالمئة من إعلانات الجمهورية عليه إشغالات، إحنا بنتكلم على 80 بالمئة من الأعمال الفنية بتاع كل إعلان بيتغير كل شهر، ففي طلب عالي جدا، عدد اللافتات إللي موجودة بيزيد، نوعها بيتغير، مقاساتها بتتغير، في ديناميكيات كثيرة بتحصل في السوق، من سوق مهم لكنه ضعيف ومش نشط جدا لسوق نسبة الإشغال فيه عالية والطلب عليه عالي والفواتير بتاعته بتزيد بأرقام مهولة".
وقال أحمد عادل، وهو من سكان القاهرة، بينما كان يقود سيارته في إحدى المناطق السكنية والتجارية الراقية في المدينة "الإعلان عمل عكس إللي مطلوب منه، الناس كرهته محبتهوش".
وعلق على انتشارها في كل مكان "يعني أنا مثلا كل مرة أبقى مروح بالليل ألاقي في ناس واقفة في حتة بعربية نقل وراكنين على الجنب الساعة واحدة مثلا بيركبوا إعلان جديد، وبعدين مبقاش في نقطة في الشارع مفيهاش إعلانات، يعني فيه في النص، وفيه بالعرض، وفيه الكبار العاليين دول سواء على الكوبري أو على الطريق، في إعلانات صغيرة تحت، وإعلانات في النص برضو في الجزيرة بالطول، وفي الإعلانات الكبيرة بقى إللي بيبقوا على اليمين وعلى الشمال”.
وتابع أحمد قائلا عن المشكلات التي تواجهه بسبب الإعلانات المضيئة خلال القيادة الليلية “بيبقى فيه إعلانات إللي هي بتبقى شاشة مش بس بوستر أو كده. دي مشكلتها بالليل لما بيبقى الإعلان لونه أبيض فالإعلان ده بيضرب في عينك بيخليكي كده مش شايفة لمدة ثانيتين ثلاثة. فأنا لما بيجي إعلان زي ده يا إما بحط دي (حاجب الشمس في السيارة) أو ببص الناحية التانية أو بغمض عيني أو بوطي، فده أكيد مش صح مش حاجة المفروض أعملها وأنا سايق”.
ويمكن إرجاع الزيادة في الإعلانات إلى حد كبير إلى التوسع السريع في شبكة النقل في مصر، فمنذ توليه السلطة في 2014 أنفق الرئيس عبد الفتاح السيسي مليارات الدولارات على إنشاء الطرق والجسور الجديدة في كل أنحاء العاصمة.
وقال ميمن "مع التنمية إللي حصلت والطرق الجديدة إللي اتبنت ابتدى يبقى في أماكن نحط فيها إعلانات مكناش بنحط فيها إعلانات قبل كده. الطرق دي مبقتش موجودة أصلا من الأول، وإعلانات الطرق دي جزء من مصادر الدخل إللي بتغطي تكلفة الصيانة للطرق دي. الطريق ملوش عوائد لأنه أصل بطبعه، فإزاي الجهة إللي بتدير تقدر توفر موارد دخل لصيانته من محطة تحصيل أو عوائد من الإعلانات، فعوائد الإعلانات دي برضو مع الزيادة فيه بيساعد في الصيانة”.
وتروج الإعلانات التي تصطف على هذه الطرق لمجموعة لا حصر لها من المنظفات والوجبات السريعة والعقارات الفاخرة، وغالبا ما تكون هذه الإعلانات مزودة بشاشات مضيئة (إل.إي.دي) وساطعة يشكو سائقو المركبات من أنها ترهق أعينهم ليلا.
وأضاف ميمن "مقاسات كتيرة من إعلانات في نفس المنطقة فتلاقي شاشة رقمية معها إعلان كبير، معها إعلانات 3X6 (متر) الطويلة… مع فوانيس النور وكلهم متداخلين مع بعض وكلهم بينافسوا بعض، فلازم اللوائح التنظيمية توصل لإيه؟ إن دي منطقة سكنية أو تجارية يبقى فيها حدود على أنواع الإعلانات من عدد محدد من الأنواع، وعدد معين للكثافة البصرية".
ويقول أحمد عفيفي رئيس تطوير الأعمال في شركة إم.أو.تي للاستثمار والتنمية، وهي الذراع الإستثمارية للهيئة القومية لسكك حديد مصر ووزارة النقل، إن هذا القطاع أصبح مصدرا متزايد الأهمية لإيرادات الدولة.
وتظهر بيانات آد مزاد أن إيرادات الإعلانات "الخارجية"، والتي تشمل اللوحات الإعلانية والإعلانات على وسائل النقل العام، نمت بأكثر من 50 بالمئة في 2024، لتصل إلى حوالي 6.3 مليار جنيه (130 مليون دولار).
وأضاف عفيفي أن هذه الأموال تذهب إلى خزينة الدولة بشكل كبير عن طريق وزارة النقل أو الهيئات التابعة لها. وأشار إلى أن أسعار الإعلانات تختلف حسب الموقع، وغالبا ما ترتفع مع تقديم العلامات التجارية المتنافسة عروضا لوضع إعلاناتها في المواقع الاستراتيجية.
ويجد بعض سائقي المركبات في اللوحات الإعلانية تسلية في أثناء توقفهم بسبب الازدحام المروري أو يعتبرونها أداة تسويقية فعالة. لكن البعض الآخر يراها إضافة مرهقة إلى أعباء تنقلاتهم.
وقالت سلمى نصار مساعدة المسؤول عن برنامج التنمية الحضرية في مكتب موئل الأمم المتحدة في مصر "لما بنيجي نلمح لوحة الإعلانات بنلمحها بالذات على الطرق السريعة. لو أنا ماشية على 60 كيلو في الساعة أو ماشية فيما فوق إحنا عندنا ثواني أو أقل من ثواني إن أنا أشوفها، فلو أنا حتى محتاجة أركز أو عايزة أشوف معلومة أعتقد إنها بتأثر سلبي جدا على تركيز السائق، ولا يستغرق الأمر سوى ثوان لتشتيت انتباه السائق وبعد الشر يحصل حادثة".
وعقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي الأربعاء اجتماعا لمتابعة تنفيذ الاشتراطات والضوابط والمعايير الخاصة بالإعلانات على الطرق العامة والمحاور.
وقال رئيس الوزراء إن الأمر يتطلب المزيد من التنظيم لتلك الإعلانات "بحيث تراعي الحفاظ على النسق العمراني، كما يتعين الحرص على الالتزام بمعايير تحقق القيم الجمالية للشكل الخارجي لهذه الإعلانات واللافتات، فضلا عن ضوابط التزام المحتوى الإعلاني بالقيم المجتمعية المصرية".
وأضافت سلمى "لما أنا بحط لوحة إعلانات عملاقة ممكن يكون حوالي 20 مرة طول البني آدم، بتبتدي تبقى مدينة أشباح يعني البني آدم بيصغر أوي أمام حجم كبير جدا".
وأضافت "هي في حتت (أماكن) كتير حتى لو أنت ماشية على كوبري أكتوبر والحاجات إللي هي بتبقى على المباني من بعيد أوي تعطي بطريقة ما بعض الهوية وملامح للمدينة، لكنني أعتقد أنها لا تركز على الإنسان إطلاقا".