إيران تقمع الاحتجاجات بدل طرح حلول لتهاوي العملة
طهران - في مشهد يختزل عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالجمهورية الإسلامية، تعاملت السلطات الإيرانية مع موجة الاحتجاجات بمزيج من القمع الميداني العنيف وشيطنة المطالب عبر اتهام المحتجين بالعمالة للخارج. ويعكس هذا الرد الأمني السريع عجز الدولة عن إيجاد حلول اقتصادية ناجعة في ظل حصار العقوبات وتراكم سوء الإدارة؛ إذ لم يعد أمام النظام سوى "الأداة الأمنية" كملاذ أخير للحفاظ على بقائه، في مواجهة غضب شعبي تجاوز المطالب المعيشية ليلامس جوهر السياسات العامة.
وذكرت منظمات حقوقية أن 25 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم في إيران خلال الأيام التسعة الأولى للاحتجاجات، التي اندلعت شرارتها الأولى في منطقة "بازار طهران الكبير"؛ تنديداً بانهيار قيمة العملة الوطنية وتفاقم معدلات التضخم.
ورغم إقرار السلطات بصعوبة الوضع الاقتصادي، إلا أنها سارعت لاتهام "شبكات مرتبطة بقوى أجنبية" بتأجيج الشارع. وفي هذا السياق، تعهد قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان اليوم الثلاثاء بـ"التعامل الحازم مع آخر المثيرين للشغب"، في إشارة واضحة لتبني الخيار الأمني الشامل.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا القمع قد يحقق تهدئة مؤقتة، لكنه يعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويزيد من حالة "الاحتقان الكامن" المرشحة للانفجار بشكل أعنف مستقبلاً. فالاحتجاجات لم تكن اقتصادية بحتة، بل جسدت فقدان الثقة المطلق في إدارة الدولة للأزمات؛ حيث لم يقتصر التضخم الجامح على سحق القوة الشرائية للمواطن فحسب، بل هدد "نموذج العمل" التاريخي لطبقة التجار (البازار)، التي كانت تُعد قاطرة للاستقرار.
وبدأت التحركات بشعارات معيشية، لكن سرعان ما تطورت إلى انتقادات حادة لسياسات النظام الخارجية وتدخلاته الإقليمية، حيث يرى المحتجون أن مقدرات البلاد تُهدر في الخارج بينما يرزح الاقتصاد الداخلي تحت وطأة الانهيار.
وأفادت وكالة "فارس" الإيرانية بأن أصحاب المتاجر في البازار واصلوا احتجاجاتهم الثلاثاء، بمشاركة نحو 150 شخصاً ركزوا على المطالب الاقتصادية. وامتدت المظاهرات إلى مدن في غرب وجنوب إيران، رغم أنها لم تصل بعد إلى حجم اضطرابات عامي 2022 و2023 التي اندلعت إثر وفاة الشابة مهسا أميني.
واتسع نطاق الاحتجاجات ليشمل هتافات صريحة ضد النخبة الحاكمة من رجال الدين. وفي غضون ذلك، تزايدت الضغوط الدولية؛ إذ لوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لدعم المحتجين في حال استهدافهم من قبل قوات الأمن، وهو ما رد عليه الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي بالتعهد بعدم "الرضوخ للعدو".
ووفقاً لتقديرات منظمة "هنجاو" الكردية لحقوق الإنسان، شملت قائمة القتلى (25 شخصاً) أربعة قاصرين دون سن الثامنة عشرة، مع اعتقال أكثر من ألف شخص. من جانبها، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) بسقوط 29 قتيلاً، بينهم عنصران من قوات الأمن، واعتقال 1203 أشخاص حتى الخامس من يناير/كانون الثاني الجاري.
وفي المقابل، التزمت السلطات الصمت حيال عدد قتلى المحتجين، مكتفية بالإشارة إلى مقتل اثنين من عناصر الأمن وإصابة 12 آخرين. وحاولت الحكومة انتهاج سياسة مزدوجة؛ بوصف الاحتجاجات الاقتصادية "مشروعة" وداعية للحوار، بينما واجهت الميدان بالغاز المسيل للدموع والمواجهات العنيفة.
ونقلت وسائل إعلام رسمية عن قائد الشرطة، قوله "مع التمييز بين المتظاهرين ومثيري الشغب، تعاملت أجهزة إنفاذ القانون بقوة مع المفسدين واعتقلتهم في المواقع أو لاحقاً بعد تحديد هوياتهم استخباراتياً"، مضيفاً "لا يزال الوقت متاحاً أمام من خدعتهم أجهزة أجنبية للاعتراف".
وميدانياً، ذكرت تقارير أن قوات أمن بملابس مدنية وشرطة مكافحة الشغب انتشرت بكثافة داخل البازار، حيث أفاد تجار بأن السلطات تجبر المضربين على فتح محالهم تحت التهديد. وأظهرت مقاطع مصورة بثت عبر "تيليغرام" جولات مكثفة لعناصر الأمن على دراجات نارية واستخداماً للغاز المسيل للدموع لتفريق التجمعات.
وفي محاولة لامتصاص الغضب، دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى الحوار، واعداً بإصلاحات في النظامين النقدي والمصرفي. وأعلنت الحكومة عن تغييرات في نظام الدعم وإلغاء أسعار صرف العملة التفضيلية لصالح تحويلات مباشرة للمواطنين، وهو إجراء يدخل حيز التنفيذ في الـ10 من الشهر الجاري.