إيقاف نقابي بارز يعيد ملف فساد النقابيين في تونس إلى الواجهة

قوات الأمن توقف الكاتب العام السابق للجامعة العامة للتعليم الثانوي باتحاد الشغل لسعد اليعقوبي بتهم المضاربة والاحتكار في مادة البطاطا.

تونس - أوقفت قوات الأمن التونسية الخميس لسعد اليعقوبي، القيادي بالاتحاد العام التونسي للشغل والكاتب العام السابق للجامعة العامة للتعليم الثانوي وذلك بتهمة الاحتكار والمضاربة ما طرح الكثير من التساؤلات حول تهم الفساد التي تطال الكثير من النقابيين ضمن المنظمة العمالية الأبرز في تونس.
وقررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية ببن عروس الاحتفاظ به، على خلفية قضية تتعلق بالاحتكار والمضاربة، بعد ضبط حوالي 13 طناً من البطاطا في مخزن عشوائي يُنسب إليه وفق ما أعلنته الاذاعة الوطنية التونسية.

ويأتي هذا التطور ليؤكد صحّة ما كان قد أشار إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، حول تغلغل الفساد في مفاصل الدولة وبعض المنظمات الوطنية، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل. فالرئيس لم يتوانَ منذ توليه السلطة عن التصريح بوجود "شبكات احتكار ومضاربة ولوبيات فساد محمية سياسيًا ونقابيًا"، متعهّدًا بمواجهتها مهما كان موقعها أو تأثيرها.
وبدأ ملف الفساد، الذي ظلّ لسنوات مغلقًا أو محاطًا بهالة من الصمت، يتكشف تدريجيًا مع توجّه السلطة التنفيذية إلى فتح ملفات حساسة، تُظهر كيف تحوّلت بعض مواقع النفوذ داخل منظمات وطنية إلى أدوات لتحقيق مصالح ضيقة، أضرّت بالاقتصاد التونسي، وزادت من أعباء المواطن في وقت تعاني فيه البلاد من تضخم وغلاء معيشة واحتكار لمواد أساسية.
وكان محمود بن مبروك، أمين عام حزب مسار 25 جويلية صرح سابقا بأن هناك ملفات فساد تورطت فيها قيادات في اتحاد الشغل موضحًا أن بعضها يتعلّق بالتفريط في ممتلكات ضخمة تابعة للمنظمة، كإحدى شركات التأمين وفندق، يقال إن من استفاد منهما هم "بارونات فساد" محميون من داخل المنظومة النقابية نفسها.
ولا تقتصر الاتهامات على أطراف سياسية فحسب، بل برزت أيضًا من داخل الاتحاد نفسه. فقد ظهرت مجموعة تُعرف باسم "اتحادنا للمعارضة النقابية"، تتّهم القيادة الحالية بالفساد والابتزاز والتفرد بالقرار. وتقول هذه المجموعة إن قيادة الاتحاد فقدت شرعيتها التنظيمية، وابتعدت عن قواعدها ومناضليها، مطالبة بإعادة الهيكلة والشفافية المالية.
وأحد أبرز المؤشرات على وجود شبهات فساد فعلي، هو ما تم كشفه في فبراير/شباط 2024، حين أُصدر قرار بإيداع كاتب عام الاتحاد الجهوي للشغل بالقصرين، الصنكي أسودي، السجن، على خلفية قضية فساد إداري بمصنع الحلفاء، بتهم التدليس واستعمال مدلس. هذه الحادثة، إلى جانب توقيف اليعقوبي، تعزز الانطباع بأن قضايا الفساد لم تعد معزولة أو محصورة في أشخاص دون غيرهم، بل قد تكون أوسع وأعمق مما يُعتقد. كما تطال اتهامات الفساد مسؤولين نقابيين في مواقع وقطاعات أخرى مثل النقل والصحة وغيرها.
وفي المقابل، تنفي قيادة اتحاد الشغل هذه الاتهامات، وتصفها بـ"حملات تشويه" تستهدف المنظمة لثنيها عن لعب دورها الوطني والاجتماعي. اوقدد لأمين العام للاتحاد نورالدين الطبوبي في أكثر من مناسبة على أن الاتحاد ليس فوق المحاسبة، وأن من يملك أدلة على الفساد يجب أن يتوجه بها إلى القضاء.
لكن هذه الردود لم توقف موجة الانتقادات، خاصة في ظل التصعيد الحاصل بين الاتحاد ورئاسة الجمهورية، والذي بلغ ذروته عقب فشل بعض المفاوضات الاجتماعية، واتهام الاتحاد بعرقلة الحوار الوطني، وافتقاره إلى الشفافية في التصرّف في التمويلات.
ولم يخف الرئيس قيس سعيد، الذي جعل من مكافحة الفساد شعارًا مركزيًا في مشروعه السياسي، في أكثر من خطاب، أن الفساد في تونس لم يعد محصورًا في رجال الأعمال أو السياسيين، بل طال أيضًا مسؤولين في منظمات وطنية كبرى. وقد لوّح صراحة بفتح ملفات تخص اتحاد الشغل، متهمًا البعض داخله بالتورط في شبكات مضاربة واحتكار تستنزف السوق وتضر بالمواطنين.
وبعد توقيف لسعد اليعقوبي، يبدو أن رياح المحاسبة بدأت تهب فعليًا على من يعتبرون أنفسهم في مأمن من القضاء أو فوق المحاسبة، ما قد يفتح الباب أمام سلسلة من التحقيقات التي قد تشمل شخصيات أخرى داخل الاتحاد، خصوصًا في ظل تزايد المؤشرات على وجود "اقتصاد ظل" تديره أطراف متنفذة داخل بعض الهياكل.
وتوقيف اليعقوبي قد يكون بداية مرحلة جديدة من تفكيك شبكات الفساد داخل المنظمات الوطنية خاصة اتحاد الشغل.