إيلون ماسك يتحدي ويكيبيديا بـ'غروكيبيديا'
سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) - أطلقت شركة "إكس إيه آي"، شركة الذكاء الاصطناعي التي أسسها "إيلون ماسك"، الاثنين منصة موسوعية جديدة باسم "غروكيبيديا" ("غروكيبيديا") في خطوة تمثل تحدياً مباشراً لهيمنة "ويكيبيديا" التي طال أمدها.
وتقدم المنصة الجديدة نفسها كبديل يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي، وتحديداً نموذج اللغة المتقدم "غروك" ("غروك") التابع للشركة، لإنشاء وتحرير المحتوى.
يأتي هذا الإطلاق تتويجاً لانتقادات ماسك المتكررة والمسموعة لـ "ويكيبيديا"، التي يتهمها بانتظام بالانحياز الأيديولوجي، وخاصة "التحيز اليساري". وفي منشورات سابقة على منصته للتواصل الاجتماعي "إكس" ("إكس")، وصف ماسك "ويكيبيديا" بأنها "فقدت موضوعيتها".
وقالت شركة "إكس إيه آي" في بيان إطلاقها إن "غروكيبيديا" تهدف إلى "توفير مصدر للمعلومات يلتزم بالحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة"، متجنبة "الأجندات التحريرية" التي زعمت أنها تعيب المنصات القائمة على التحرير البشري.
نموذج "غروك" مقابل المتطوعين
يكمن الاختلاف الجوهري بين المنصتين في آلية إنتاج المحتوى. فبينما تعتمد "ويكيبيديا"، التي تديرها مؤسسة "ويكيميديا" غير الربحية، على جيش عالمي من المحررين المتطوعين الذين ينشئون المقالات ويراقبونها بشكل جماعي، مستندين إلى سياسات صارمة للتحقق من المصادر، فإن "غروكيبيديا" تتخذ مساراً تكنولوجياً بحتاً.
وتُنتج المقالات في "غروكيبيديا" تلقائياً بواسطة نموذج "غروك"، الذي تقول "إكس إيه آي" إنه دُرّب على مجموعة هائلة من البيانات لتقديم ملخصات دقيقة ومحايدة. ومع ذلك، تتيح المنصة للمستخدمين "تقديم تصحيحات" أو "اقتراح تعديلات"، والتي يبدو أنها ستُراجع لاحقاً بواسطة الذكاء الاصطناعي أو مشرفين بشريين، وإن كانت الآلية الدقيقة لهذا الإشراف لا تزال غير واضحة.
أثار هذا الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي تساؤلات فورية. ففي حين يجادل مؤيدو النهج بأنه يتجاوز التحيزات البشرية العاطفية والأيديولوجية، يحذر النقاد من أن نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها ليست محايدة بطبيعتها، بل تعكس التحيزات الموجودة في بيانات التدريب التي تغذت عليها.
تساؤلات حول المصادر والحياد
لم يدم الإطلاق طويلاً قبل أن تبدأ التقارير الصحفية في فحص مخرجات "غروكيبيديا". وأشار تقرير أولي نشره موقع "ذا فيرج" ("ذا فيرج") إلى أن العديد من المقالات على المنصة الجديدة تبدو وكأنها مأخوذة مباشرة أو مُعاد صياغتها بشكل كبير من مقالات "ويكيبيديا" الحالية، مما يثير تساؤلات حول مدى اعتماد "غروكيبيديا" على نفس المصدر الذي تدعي أنها جاءت لتصحيح مساره.
وذهبت مجلة "وايرد" ("وايرد") إلى أبعد من ذلك، حيث نشرت تحليلاً لبعض المقالات التي قالت إنها تُظهر "توجهات محافظة واضحة"، مما يتناقض بشكل مباشر مع ادعاء الموضوعية المطلقة.
ووفقاً لـ "وايرد"، فإن صفحة "الزواج المثلي" ("الزواج المثلي") على "غروكيبيديا" تحول التركيز بشكل غير متوقع إلى مناقشة "البورنوغرافيا المثلية"، وتذهب إلى حد ربط انتشارها بتفاقم أزمة الإيدز في ثمانينيات القرن الماضي، وهو سرد غالباً ما تتبناه جماعات محافظة متشددة.
وفي مثال آخر استشهدت به المجلة، وُجد أن صفحة "الترانسجندر" ("الترانسجندر") تستخدم لغة تصف النساء المتحولات جنسياً باستمرار بأنهن "ذكور بيولوجيين"، وتضمنت فقرات تصف وجودهن في الأماكن المخصصة للنساء فقط بأنه "تهديد لسلامة النساء وخصوصيتهن"، وهو ما يعكس نقاط حوار سياسية معينة بدلاً من الإجماع العلمي أو القانوني السائد.
ردود فعل متباينة
أثار الإطلاق عاصفة من ردود الفعل. ووصف أنصار ماسك الخطوة بأنها ضرورية "لكسر احتكار الحقيقة" الذي تمارسه ما أسموها "نخب وادي السيليكون" ووسائل الإعلام التقليدية.
في المقابل، أعرب مراقبون في مجال الإعلام الرقمي عن قلقهم. وقال الدكتور "أليكسي هارفورد"، الباحث في المعلومات المضللة بجامعة "كولومبيا"، لرويترز عبر الهاتف: "إن الادعاء بتقديم 'الحقيقة' الخالية من التحيز باستخدام الذكاء الاصطناعي هو ادعاء إشكالي في أحسن الأحوال".
وأضاف "هارفورد": "ما نراه هنا ليس بالضرورة إزالة للتحيز، بل استبدال مجموعة من التحيزات (التي يُنظر إليها في 'ويكيبيديا') بمجموعة أخرى من التحيزات، والتي ربما تعكس وجهات نظر مؤسسها أو البيانات التي اُختيرت لتدريب النموذج".
ولم ترد مؤسسة "ويكيميديا" على الفور على طلب للتعليق على إطلاق "غروكيبيديا".
ومع دخول "غروكيبيديا" إلى الساحة، فإنها لا تمثل مجرد منافس تجاري لـ "ويكيبيديا"، بل تمثل جبهة جديدة في النقاش الأوسع حول من يملك الحق في كتابة المعرفة وتحديد ماهية "الحقيقة" في العصر الرقمي—هل هم البشر بتعقيداتهم وتحيزاتهم المعلنة، أم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحيزاتها المبطنة؟