'ابنة ليليت' والسؤال الجوهري: هل التمرد ولادة جديدة أم عزلة أدبية؟

رواية السعودي أحمد السماري تُفكك إرث التمرد النسوي عبر أسطورة 'ليليت' المتجسدة في صراع البطلة 'جواهر' مع السلطة الذكورية والتحولات الأيديولوجية بين الشرق والغرب.

قرأت رواية "ابنة ليليت" للروائي السعودي المبدع أحمد السماري، وبما أنني ابنة تلك الحقبة الزمنية وأعي تفاصيلها جيدًا، أمسكت بيد البطلة جواهر، الشخصية الأسطورية التي اختار لها السماري دور المتمردة. كأن ليليت تمثل إرثًا أنثويًا وحكاية كل امرأة من حواء إلى جواهر، السعودية وكل امرأة عربية في عالمنا الشرق-متوسطي. ولقد نجحت، في أن تعكس العتبة البصرية للرواية هذا الطرح منسجمًا جدًا، إذ توحي بأننا أمام أنثى تسير خارج السياق المرسوم لها… وانطلقنا الرحلة معًا.  

حقيقةً أذهلني للسماري قدرته على الإمساك بصوت المرأة باحترافية واضحة، كأنه يمسك مشرطًا، لا ليجري عملية جراحية، بل ليفسح طريقًا لصوت ظل مختبئًا في أعماق كل امرأة، صوت لم يُسمح له بالكلام من قبل. وهو أمر ليس يسيرًا في الكتابة الذكورية. يتناوب بين الأصوات السردية النسائية، تارة بـ جواهر ابنة الصحراء وتارة بـ أميلا ابنة أميركا، مع استرجاعات فلاش باك تفسر تشكل شخصية والدتها، جواهر (الحاضر المحمل بالماضي) لحل اللغز، في بناء يعتمد على المونولوج الداخلي والكشف التدريجي للوعي، بحوارات مكثفة ورموز دلالاتها عميقة.  

بدأت الرواية في ثمانينيات الرياض، مرحلة الطفرة الاقتصادية، محلقًا بي إلى ديار العم سام أمريكا، أرض التحرر وتحقيق الأحلام، ثم إلى موريتانيا، أرض الفطرة الدينية، قبل العودة إلى الرياض عام 2011 في سياق سياسي وأمني مضطرب. هذا التنقل لم يكن جغرافيًا فحسب، بل أيديولوجيًا، يعكس صراعًا مع البنية الذكورية والوعي الجمعي للصور النمطية عن المرأة في تلك الحقبة.  

اللافت في ابنة ليليت أن الرجل حاضر في كل منعطف حاسم من حياة جواهر: الأب الذي مارس سلطته عبر والدة البطلة جواهر، الأخ الذي صادر حقها في الميراث، المغتصب الذي دمر براءتها في العمل، الزوج الذي تعامل معها كوسيلة للحصول على الجنسية الأميركية. شعرت معها أن تحولات البطلة في كثير من الأحيان رد فعل على سلطة ذكورية متكررة، وكأن النص، دون قصد، يعيد تمركز هذه السلطة وهو ينتقدها.

الاستثناء الوحيد كان الحاج متولي، الرجل البسيط المصري الطيب الذي لامس شغاف قلبي، بالرغم من أنه لا يملك مالًا ولا نفوذًا، لكنه حضر بصوته الأخلاقي في حياة جواهر، مفارقة تعيد تعريف القوة بعيدًا عن الهيمنة.  

كان صعود جواهر مشروطًا بخسارتها دائمًا، نعم هكذا شعرت: كل نجاح في حياتها المهنية مرهون بخسارة (الجسد، الهوية، وربما الدين والانتماء).

سرت معها بصدمات درامية متتابعة، وكأن هذا منح حكايتها إيقاعًا حادًا وطابعًا أقرب إلى البناء السينمائي. غير أن كثافة الأحداث تجعل القارئ يتمنى مساحة أوسع للغوص في الداخل، خصوصًا في لحظات التحول المفصلية. المادة الدرامية ثرية، لكن بعض المنعطفات تمر بسرعة نسبية دون تفكيك نفسي كافٍ. قصة فيها اغتصاب، هجرة، صعود سياسي… كان يمكن، يا أستاذي الكريم، أن تكون مليئة برائحة المكان، خوف اللحظة، ارتجاف الجسد، وبرودة الغربة، فلماذا بخلت علينا بذلك؟   المكان، أو قل الرياض البهية وأرض الإنسانية، محدود أحيانًا في بعض المقاطع، إذ يحضر كإطار للأحداث أكثر من كونه كيانًا نابضًا بالحواس، فتُروى بعض التجارب كخبر لا تُعاش كتجربة.

  جميل كيف ربطت التحول الديني في نهاية الرواية، لكن ظل هناك سؤال مفتوح: هل جاء نتيجة تطور داخلي عضوي للشخصية، أم اقتصر على طرح فكري أراد إغلاق الدائرة الرمزية؟ ربما هذا السؤال منح الرواية مساحة تأويلية أوسع بدل أن يحسم قراءتها في اتجاه واحد.

"ابنة ليليت" لا تستدعي الأسطورة بوصفها حكاية قديمة، إنما كبنية تفسيرية لواقع معاصر يعيد مساءلة صورة الأنثى الطائعة ويفكك السردية التي شيطنت تمرّد المرأة عبر التاريخ. هي رواية تمارس إعادة كتابة الأسطورة من داخل المرأة السعودية التي تشكلت في تلك الحقبة، لتبقى جواهر شخصية تبحث عن ذاتها في عالم يفرض عليها قيودًا متكررة، بين الألم والتحرر، بين الحدث والفكرة، بين الأسطورة والواقع، وتترك القارئ أمام سؤال جوهري: هل التمرد ولادة جديدة أم عزلة أدبية؟