اتفاق تكتيكي وليس استراتيجيا

عند أول محطة لتناول أي قضية مصيرية مثل تفاصيل البرنامج النووي ومحتوى التخصيب وشكل الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج، قد نرى غليانا دبلوماسيا وانتكاسة سياسية.

كل المعطيات المتوافرة تقول إن اتفاق الإطار الذي توصلت إليه الولايات المتحدة مع إيران وتم التوقيع عليه إلكترونيا مساء الأربعاء، وحضوريا غدا الجمعة في جنيف، لن يحل عقدة الخصومة الحادة بينهما، إذا مضت فترة المفاوضات المقررة لمدة ستين يوما في طريقها المرسوم وأدت للانتقال من مذكرة التفاهم إلى الاتفاق النهائي. وقد لا يتعدى كونه اتفاقا تكتيكيا ولن يصل بسهولة إلى المستوى الاستراتيجي وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين وحلفاء كليهما.

ما يعزز القطع بأن الاتفاق مرحلي هو طبيعة الصراع وتشابكاته وتعقيداته، حيث يريد كل طرف الحصول على كل شيء وحرمان الآخر من أي شيء، والوصول إلى أعلى مكاسب ممكنة في هذه اللحظة وما يترتب عنها. حصيلة قريبة من المعادلة الصفرية الشهيرة التي تعتمد على مكاسب طرف خسائر للآخر، والعكس صحيح. شاهدنا معالم من هذه المعادلة على مدار فترة الحرب التي امتدت نحو أربعين يوما، وما تلاها من مفاوضات وضربات عسكرية متقطعة.

ذهب عدد كبير من القراءات الأولية لبنود اتفاق الإطار إلى القول إن طهران حصدت مكاسب جمة، أكثر من تلك التي حصدتها واشنطن. سجلت إيران هدفا كبيرا في مرمى إسرائيل عندما أصرت على شمول الاتفاق وقف الحرب في لبنان. وهذه نقطة كفيلة بأن تجعل تل أبيب تحيك المؤامرات لمنع وصول الاتفاق إلى غاياته السياسية. 

وصلت الولايات المتحدة إلى القبول باتفاق تكتيكي بموجب قناعة بأن الانتصار الكاسح على إيران واستسلامها وتركيعها وتغيير نظامها وتدمير بنيتها التحتية، ليست بالسهولة التي نجح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في تسريبها إلى عقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورفاقه، وأن الحرب عملية شائكة جدا، ولا تحسم بضربة عسكرية قاضية والتخلص من قيادات الصف الأول والثاني في إيران.

قد تصل المفاوضات إلى جزء مما فشلت الحرب في تحقيقه، غير أن المكونات التي جرى الكشف عنها بخصوص مذكرة التفاهم، لا تشير إلى أن واشنطن تجاوزت الأجزاء المهمة في الملفات الرئيسية بل تركت أقساما حيوية معلقة أو مجهولة، وربما لن يتم الاقتراب منها لاحقا، أبرزها: ملف الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وملف ما يسمى بالحلفاء والوكلاء في المنطقة فضلا عن المباحثات الصعبة في الملف النووي، والذي صيغت عناوينه بشكل لا يوحي أن تغيرا كبيرا قد يحدث يفوق الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وتعرض إلى انتقادات متكررة من الرئيس الحالي دونالد ترامب.

إيران ترى أن عدم سقوط نظامها هو بمثابة انتصار على الولايات المتحدة يساعدها على فتح كل الملفات المؤجلة، والبحث عن الحصول على انتصار اقتصادي وتعويض الخسائر المادية.

المحادثات التي عادت إليها الولايات المتحدة بعد لفظها واللجوء إلى الحرب، هي وسيلة لدى طهران من أجل إعادة التموض الإقليمي بطريقة تمكنها من أن تصبح قوة رئيسية في المنطقة وفقا لشروط ورؤية وطموحات جديدة، ويتم نقلها من مربع الدولة المنبوذة إلى الاعتراف بدورها إقليميا ودوليا.

يُخل هذا الأمر بتوازنات تسعى إلى صياغتها واشنطن في المنطقة. بالطبع لن ترضى إسرائيل بأي رؤية تقدمها طهران للتطبيع على طريقتها ولا تحقق مصالح تل أبيب، ما يضاعف من العمل على تخريب الاتفاق في المحطة التفاوضية المقبلة.

الخلاف لا زال موجودا، والصدام آت لا محالة، بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. يمكن التعامل مع اتفاق الإطار على أنه هدنة أو فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق لدى المعنيين به، ما يؤدي إلى عدم استبعاد حدوث جولة خشنة أخرى، وربما جولات، سوف تحدث في المستقبل القريب أو المتوسط. التباعد الواضح في المسافات لا يدعو للاطمئنان إلى مذكرة التفاهم.

عند أول محطة لتناول أي قضية مصيرية مثل تفاصيل البرنامج النووي ومحتوى التخصيب وشكل الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج، قد نرى غليانا دبلوماسيا وانتكاسة سياسية.

 يمكن أن نشهد شدا وجذبا، لكن العودة للحرب مباشرة عملية صعبة بالنسبة لإيران حاليا، والتي أصبحت قدراتها العسكرية منهكة. وبالنسبة للإدارة الأميركية التي تعرضت إلى انتقادات حادة من الديمقراطيين والجمهوريين أيضا، أمامها تحديات استحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.

يشير تمسك إيران بوقف الحرب قبل مناقشة الملفات المختلف عليها، إلى أنها تريد فترة استراحة، تطول أو تقصر، لا يهم كثيرا. المهم كسر معادلة الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يمنحها براحا لتخفيف حدة بعض الأزمات الداخلية، والاستعداد للمرحلة المقبلة، التي تنصب فيها اهتمامات واشنطن ومعها تل أبيب على توسيع نطاق الاختراقات الناعمة وتحريض المعارضة على تحدي السلطات الإيرانية.

الحاصل أن المفاوضات وما يليها من نتائج سياسية متنوعة، مهما كان شكلها ونوعها وتأثيرها ومداه، فرصة لكل طرف لتحقيق أهدافه بوسائل أخرى. تتحضر طهران لها من خلال إطالة أمد المفاوضات، والصعود بالرئيس ترامب إلى مرحلة الملل السياسي منها للدرجة التي تجبره على القبول بأشياء لم يكن ليقبلها سابقا.

ربما تتفوق طهران على ترامب في عقد الصفقات عبر اتباع سياسة البازار في المساومات، والصبر الذي يملكه صناع السجاد في إيران. وتتقدم على إسرائيل في طول فترة المفاوضات.

كلنا يتذكر ما قاله إرئيل شارون رئيس الوزراء الأسبق عندما انطلقت المفاوضات مع الفلسطينيين في بداية عقد التسيعينات بشأن قدرته على الاستمرار فيها لمدة عشر سنوات بلا تنازل يقدمه لهم.

يتفوق نتنياهو على شارون في المناورات وتجديد دماء الصراعات واختلاق الذرائع ووضع العراقيل أمام الخصوم. من يراجع تصرفاته في كل من قطاع غزة ولبنان وسوريا، يتأكد من تفوقه على سلفه شارون. لم ينكر وسط الاحتفاء الأميركي بمذكرة التفاهم مع إيران رغبته في العودة للصدام معها.

تقود هذه العوامل إلى تحجيم الافراط في التفاؤل، وأهمية استخلاص العبر. مفردات عديدة استخدمتها الولايات المتحدة مع إيران، مثل الاحتواء والعزل والدمج الإقليمي، لم يتحقق منها الكثير.

تطلعات كبيرة حاولت طهران الوصول إليها في المنطقة لم تستطع تحقيقها كاملة. يظل السلام محفوفا بميراث من المخاطر، ما يقوض الرهان على تحول واسع في العلاقة بينهما، ويدعم فكرة أن الاتفاق تكتيكي وليس استراتيجيا.