الواقع يفرض طقوسه على حلفاء إيران

إذا رغبت إيران في علاقات جيدة مع جيرانها والتعاون معهم في أي ترتيبات أمنية مستقبلا، عليها رفع يديها عن وكلائها الساعين للاحتفاظ بمراكز قوة في دول ينشطون داخلها.

نجحت إيران في توصيل رسالة بشأن إحياء فكرة وحدة الساحات بتوجيه ضربات إلى إسرائيل مؤخرا، إلا أن الواقع العملي سيفرض طقوسه للتخلي تدريجيا عن هذه الفكرة. وإذا أردت طهران أن يكون لها دور إيجابي في المنطقة، سيفرض عليها عمليا تخفيف علاقاتها تمهيدا لفك ارتباطها بالقوى والجماعات والأذرع والوكلاء والحلفاء لأنهم أصبحوا عبئا ثقيلا عليها، كلما حاولت التقدم نحو تطوير علاقاتها مع دول الجوار.

أثبتت تجربة الأشهر الماضية أن رأس الحربة (الحلفاء) التي تعبت طهران في رعايتها فترة طويلة لم يقم كل منها بالدور المطلوب منه على أكمل وجه، فالغرض من الاحتضان والدعم والتحالف هو الدفاع عن إيران خارج أراضيها.

صارت اسهامات هؤلاء في كل من العراق ولبنان واليمن أعمالا محدودة، أو على الأقل لم تحقق الأهداف الإستراتيجية منها ناهيك عن خروج أذرعها من سوريا تماما، وتقويض المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والتي كانت حركتا الجهاد وحماس جزءا أساسيا فيها، وركنا في حسابات إيران الإقليمية.

بدأت إيران تخوض مجبرة حروبها مباشرة. أثبت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها تراجع الدور الذي يلعبه الحلفاء للدفاع عنها بلا حذر. كل المناوشات التي قام بها حزب الله في لبنان، والتهديدات التي مثلتها جماعة الحوثي في اليمن، والمناكفات التي قامت بها ميليشيات عراقية تابعة للحشد الشعبي، لم تفلح في تجنيب إيران الدخول في مواجهة عسكرية متعددة الأطراف.

أخفقت جبهة الحلفاء على امتدادها في إبعاد إيران عن الحرب الكبرى التي بدأت في نهاية فبراير/ شباط الماضي، ولا تزال معالمها مستمرة، صعودا وهبوطا، خشونة وتفاوضا ولا أحد يعلم بالضبط النتائج التي سوف تسفر عنها، إيرانيا وإقليميا ودوليا.

يعتقد بعض المراقبين أن قيام إيران بضرب شمال إسرائيل ردا على توجه تل أبيب نحو استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أو التمادي في الانتهاكات بجنوب لبنان، يعكس مساندة واضحة لحزب الله، ويعزز فكرة الوصل بين مساري إيران ولبنان ويدعم وحدة الساحات، ويظهر حرصا على عدم التفريط في المنهج الذي تقوم عليه.

غير أن المعطيات الحقيقية على الخريطة تقول إن تحذيرات إيران جاءت في خضم رفع سقف مطالبها أمام واشنطن، واختبار هذه المحددات في التعرف على طبيعة رد فعل إسرائيل والطريقة التي تتصرف بها الإدارة الأميركية حيال هذا الاختبار.

يمكن النظر إلى رد الفعل الإسرائيلي والأميركي على إيران بأنه محدود نسبيا، ولم ينجرف وراء الغطرسة التي ظهرت في التعامل مع إيران وحلفائها. ويمكن النظر إليه أيضا بأن الربط بين إيران ولبنان يكمن في تحقيق مصالح الأولى الحيوية وليس دفاعا عن حزب الله ولو كان لتأكيد التحالف بين طهران والحزب، لتحركت الأولى فورا عندما انتهكت إسرائيل أراضي جنوب لبنان، ومنعتها من تشكيل حزام أمني بها.

كما أن القبول بوقف متبادل لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل دون وقف النار تماما في لبنان والتعهد بعدم استهداف الضاحية والإنسحاب الكامل من الجنوب، يعني أن طهران حققت هدفا تكتيكيا يتعلق بضبط مفاوضاتها مع واشنطن، وليس هدفا إستراتيجيا يتعلق بالدفاع عن تحالفها مع حزب الله.

يحتاج الأخير إلى تعاون عسكري مستمر. لا يتوقف عند هدف محدود أو توصيل رسالة عاجلة لمن يهمه الأمر. إسرائيل التي تعلن ليلا ونهارا عن تشكيل أحزمة نارية وأمنية في المنطقة، بينها جنوب لبنان، تحتاج إلى وقفة حاسمة من إيران تؤكد بها عدم تنصلها من وحدة الساحات، أو التراجع عن مؤازرة حزب الله.

تعددت المشكلات التي يتسبب فيها حلفاء إيران بالمنطقة في صداع سياسي وعسكري. تزايدت الرغبات الإقليمية والدولية بتفكيك هذه الشبكة الممتدة داخل دول عدة. تصاعدت حدة الانتقادات لها بعد ارتفاع تكلفتها على الدول التي ينشط فيها الحلفاء، الذين يطلق عليهم قوى مساندة، وكلاء، أذرع، وميليشيات.. يتحدد المسمى حسب الزاوية التي يتم النظر من خلالها إلى الحليف وطبيعة الدور الذي يقوم به.

لن تحتاج إيران إلى هؤلاء، إذا أصبحت قوة إقليمية فاعلة/متعاونة، وفقا لرؤيتها الجديدة. هذه النوعية من العلاقة تنتقص من وزن الدول، عندما تكون العلاقة معهم غير خفية. هناك دول تدير شبكات من القوى والجماعات البعيدة عن كنف الدولة، لكنها لا تتفاخر بها أو ترتبط معها بعلاقات علنية.

لم تخجل إيران من التعامل مع هؤلاء باعتبارهم حلفاء وشركاء مصير في ما تسميه بـ"المقاومة" وفقا لرؤيتها، مع أن توجهاتهم وتصرفاتهم لا تقتصر على الضرر بإسرائيل، فقد أضر وجودهم بالأنظمة الحاكمة في الدول التي نشأوا وترعرعوا فيها، وأساؤوا كثيرا للدولة ذاتها، وأفقدوا مؤسساتها النظامية جانبا من صلاحياتها.

أدت تصرفات الوكلاء إلى توتر علاقات إيران بعديد من الدول العربية. خّفضوا مستوى الثقة السياسية في طهران نفسها. إذا كانت إيران تريد علاقات سوية مع دول المنطقة بعد انتهاء الحرب، لن تتمكن من الوصول لهذا الهدف، طالما ظلت متمسكة بورقة الحلفاء. تنشأ العلاقات الطبيعية بين الدول مباشرة، ولا تنشأ في وجود حلفاء وجماعات تعمل قسرا وسرا وبعيدا عن نطاق الدولة، ولا تأتمر بأوامر مؤسساتها.

إذا رغبت إيران في تجسير الفجوة مع جيرانها من الدول العربية والتعاون معها في أي ترتيبات أمنية مستقبلا، عليها رفع يديها عن حلفائها الساعين للاحتفاظ بمراكز قوتهم في الدول التي ينشطون داخلها، والإعلان بوضوح عدم الوصاية عن الوكلاء. وهي مسألة لن تكون بعيدة عقب التطورات الساخنة التي شهدتها المنطقة على إثر اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية، وما صاحبها من تفاعلات وتداعيات.

تبدأ عملية ردم الهوة بين إيران وجيرانها من تقديم ما يثبت عدم التدخل في الدول العربية، تحت أي ذريعة سواء دعم المقاومة في مواجهة إسرائيل أو تحقيق أهداف طهران الإقليمية.

في الحالة الأولى، جرى تقليص القدرات العسكرية لحلفاء رفعوا شعار المقاومة، ومنحوا إسرائيل مبررا لشن ضربات قاسية عليهم والحصول على تأييد قوى كبرى في المجتمع الدولي. في النهاية لم يحقق هذا الطريق نجاحا ملموسا.

واضطرت إيران (في الحالة الثانية) إلى خوض الحرب مباشرة وخلط أوراق المنطقة، ولم يتمكن الحلفاء من الدفاع عنها بقوة منتظمة. تكبّدت خسائر باهظة، زاد التوجس في نواياها من قبل دول ستفكر أكثر من مرة للتشاور معها في أي ترتيبات أمنية جديدة للمنطقة وسوف توضع ورقة فك الارتباط مع الحلفاء على الطاولة يتم الجلوس حولها.