احتدام التنافس داخل الإطار التنسيقي على منصب نائب رئيس البرلمان
بغداد - يتصاعد الجدل السياسي في العراق حول منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، بينما لم تحسم بعد عقدتي رئاسة البرلمان ذاته وهي من نصيب المكون السنّي وفق نظام المحاصصة المعمول به منذ العام 2003، في ظل تعقيدات المشهد الذي أعقب الانتخابات الأخيرة، وتداخل الحسابات بين مكونات العملية السياسية، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية.
ويأتي هذا الصراع في وقت لا يزال فيه تشكيل الحكومة متعثرا، ما يجعل توزيع المناصب البرلمانية جزءاً من معادلة أوسع لإعادة ترتيب النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وتعكس تصريحات القيادي في منظمة بدر، معين الكاظمي، بوضوح طبيعة هذا التنافس، إذ أكد أن منصب النائب الأول لرئيس البرلمان يُعد استحقاقاً سياسياً للمكون الشيعي، ويدخل ضمن حصة الإطار التنسيقي، مشيرا إلى وجود أكثر من مرشح من كتل الإطار لتولي هذا الموقع.
ويكشف هذا الطرح عن تمسك الإطار بمنطق المحاصصة السياسية الذي يحكم توزيع المناصب السيادية منذ عام 2003، حيث يُنظر إلى الموقع البرلماني بوصفه ورقة تفاوضية لا تقل أهمية عن المناصب التنفيذية.
وبحسب الكاظمي، فإن كتل العصائب ومنظمة بدر ودولة القانون تمتلك شخصيات مؤهلة لشغل المنصب، ما يعكس حجم التنافس داخل البيت الشيعي نفسه، وليس فقط بين المكونات السياسية المختلفة. كما لفت إلى أن من يتولى منصب النائب الأول يُحسب ضمن استحقاقات الكتلة التي ينتمي إليها في الحكومة، ويعادل سياسياً ما يقارب 15 مقعداً نيابياً، وهو توصيف يوضح القيمة التفاوضية العالية للمنصب في ميزان تقاسم السلطة.
ويزداد المشهد تعقيدا مع ربط هذا المنصب بملف رئاسة مجلس الوزراء، فالكاظمي أشار صراحة إلى أنه في حال تمسك ائتلاف دولة القانون برئاسة الحكومة، فلن يكون من نصيبه منصب النائب الأول لرئيس البرلمان، ليؤول حينها إلى كتلتي صادقون أو منظمة بدر. هذا الطرح يعكس محاولة واضحة لإدارة التوازنات داخل الإطار التنسيقي ومنع تركز السلطات بيد كتلة واحدة، في ظل حساسيات سياسية وتجارب سابقة أثبتت هشاشة هذا التوازن.
ورغم تداول عدة أسماء مرشحة، يؤكد قادة الإطار أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، ما يعكس استمرار الخلافات الداخلية وحاجة الأطراف إلى مزيد من التفاوض. ويأتي ذلك في وقت يُفترض فيه أن تنطلق جلسات مجلس النواب لانتخاب هيئة رئاسته، وفق الاستحقاقات الدستورية، غير أن الانقسامات السياسية لا تزال تؤخر هذا المسار.
ويُدار هذا الصراع ضمن إطار التقاليد السياسية التي ترسخت بعد 2003، حيث يُسند منصب رئيس البرلمان للمكون السني، والنائب الأول للمكون الشيعي، والنائب الثاني للمكون الكردي، غير أن هذا التوزيع، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كضامن للتوازن، بات اليوم أحد أسباب التعقيد، إذ تحوّل إلى ساحة تنافس حاد داخل المكونات نفسها.
وفي المقابل، تشهد الساحة السنية تحركات متسارعة عبر المجلس السياسي الوطني، الذي يضم القوى السنية الفائزة بالانتخابات، بهدف تسمية مرشح رئاسة البرلمان. وتُوصف هذه الاجتماعات بالإيجابية، ما يضع ضغوطاً إضافية على الإطار التنسيقي للإسراع في حسم موقفه، خشية الدخول في فراغ دستوري.
ومع أن الدستور العراقي حدد مهلا زمنية واضحة لتشكيل المؤسسات الدستورية، بدءاً بانتخاب هيئة رئاسة البرلمان، فإن الواقع السياسي يُظهر أن هذه المواعيد تبقى رهينة التوافقات، لا النصوص. وفي هذا السياق، يبدو أن الصراع على منصب النائب الأول لرئيس البرلمان ليس مجرد تنافس على موقع بروتوكولي، بل هو انعكاس أعمق لمعركة النفوذ وتقاسم السلطة في مرحلة سياسية شديدة الحساسية.