اختفاء: فيلم يجمع بين المطاردة الرومانسية والمطاردة القتالية

أفلام الأكشن، بقدر ما تُشبع الغريزة البصرية للمتفرج، قادرة أيضا على أن تكون نصوصا مشحونة بالمعاني.

الصورة النمطية التي رسختها صناعة السينما عن أفلام الأكشن باعتبارها مجرد وسيلة للتسلية وتفريغ الطاقة البصرية عبر مشاهد القتال والانفجارات والمطاردات، ليست صحيحة في إطلاقها كون هذه الأفلام كثيرًا ما تحمل في بنيتها العميقة رموزًا ودلالات تتجاوز حدود التشويق اللحظي. ففي طياتها يمكن أن نجد انعكاسات للواقع الاجتماعي والسياسي، وتأملات في العلاقات الإنسانية، وصورًا مكثفة للصراع بين الأنا والآخر، أو بين الفرد والمنظومة.

أفلام الأكشن، بقدر ما تُشبع الغريزة البصرية للمتفرج، قادرة أيضًا على أن تكون نصوصًا مشحونة بالمعاني، توظف الحركة والإيقاع السريع كأدوات سردية لطرح أسئلة حول الخوف، والرغبة، والخيارات المصيرية، بل وحتى حول هشاشة الروابط العاطفية في عالم سريع الإيقاع. من هنا، فإن فيلم "اختفاء "Ghosted (2023)، للمخرج دكستر فليتشر وبطولة كريس إيفانز وآنا دي أرماس، على ما يبدو في ظاهره من عمل ترفيهي خفيف، يفتح الباب لقراءة أعمق تضع مطارداته الجسدية في مرآة مطاردة عاطفية موازية، لتصبح مشاهد الحركة نفسها استعارات لعلاقة إنسانية تتأرجح بين الاقتراب والابتعاد، بين الانجذاب والهروب، في نص بصري يحاورنا عن الحب والخوف والفقد، بقدر ما يلهب حواسنا بالمؤثرات والانفجارات.

ينتمي الفيلم الصادر عام 2023 على منصة Apple TV+، من إخراج دكستر فليتشر وبطولة كريس إيفانز وآنا دي أرماس، إلى تصنيف الأكشن الكوميدي الرومانسي، في محاولة لدمج ثلاث طبقات سردية في قالب واحد: قصة حب، مغامرة تجسسية، ومشاهد حركة عالية الإيقاع. هذه التركيبة تضع المشاهد أمام مزيج متذبذب بين الخفة والحدة، وبين نبض القلب العاطفي ومشاهد القتال والانفجارات.

محور القصة يدور حول سلاح بيولوجي بالغ الخطورة يُعرف باسم "Aztec"، وهو فيروس قادر على التسبب في دمار واسع إذا وقع في الأيدي الخطأ. هذا السلاح ليس مجرد تفصيلة حبكة تقليدية، بل هو محرك للتوتر المستمر بين الشخصيات، وسبب لانخراط الأبطال في سلسلة من المواجهات والمطاردات عبر عدة مدن.

الفيروس في الفيلم يعمل على أكثر من مستوى؛ فهو في ظاهره هدفًا تسعى أطراف متعددة للسيطرة عليه ـ من أجهزة استخبارات إلى تجار سلاح ـ لكنه في مستواه الرمزي يجسد الخطر الخفي الذي يهدد أي علاقة تنشأ في ظروف مشحونة بالخوف وانعدام الثقة.

تبدأ الأحداث بلقاء عفوي في سوق المزارعين بين كول، شاب ريفي بسيط يعمل في الزراعة، وسادي، امرأة غامضة تقضي معه موعدًا قصيرًا. يلتقط الفيلم هذه اللحظة بزوايا تصوير قريبة على الوجوه، مع تقطيع بطيء بين ردود الفعل، مما يوحي بأن التبادل البصري ليس مجرد مجاملة عابرة، بل بداية افتتان قد يتطور إلى هوس. الحوار الخفيف، الإضاءة الطبيعية، والألوان الدافئة تخلق إحساسًا بالدفء والحميمية، بينما يمنح الإيقاع الزمني الممتد فسحة للشخصيات كي تتعرف على بعضها قبل أن يتسلل التوتر إلى السرد.

فجأة، تنقطع سادي عن التواصل، ما يدفع كول، بدافع الشغف وربما العناد، إلى تعقبها باستخدام جهاز تتبع وضعه في جهاز استنشاقها. هذا الفعل، الذي يبدو فضوليًا في ظاهره، يكشف عن رغبة عميقة في اختراق غموض اختفائها واستعادة خيط علاقة لم تتجاوز لحظاتها الأولى. تؤدي رحلته إلى اكتشاف صادم: سادي عميلة في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ، كول يجد نفسه فجأة في قلب شبكة تجسس دولية بسبب ارتباطه بسادي، الجاسوسة المحترفة، ليصبح مطاردًا من قبل القتلة المحترفين، ولكنه ينطلق معها في سباق محموم عبر عدة دول، حيث تتشابك الرومانسية الناشئة مع فوضى المطاردات والخطر.

هنا تتكشف الحكاية على مستويين: مستوى ظاهر، يتمثل في مشاهد الأكشن، الأجهزة، والمطاردات، ومستوى خفي يتسرب عبر الخيط العاطفي الذي يحرك الشخصيات. اللقاء العابر يتحول إلى رحلة تعقب نفسية قبل أن تكون جسدية. كول، الحالم الساذج الذي بدأ كمستقبل سلبي للأحداث، ينمو تدريجيًا ليكتشف نفسه في مواجهة الخطر. اندفاعه الصادق وحنينه للحب يدفعانه إلى خطوة التتبع، لكنها تفتح الباب لأسئلة أخلاقية عن الخصوصية والثقة. ومع كل خطوة يقترب فيها من سادي، ينتقل من رجل يعيش في ذكرى موعد قصير إلى شخص يدرك أن الحب يتطلب معرفة وشجاعة.

على الضفة الأخرى، تظهر سادي كامرأة مزدوجة الملامح: عميلة محترفة تفرض عليها طبيعة عملها إخفاء الحقائق والتمثيل والكذب كأدوات بقاء، وفي الوقت نفسه قادرة على الحب بصدق. علاقتها بكول محكومة بتوتر دائم، إذ تعيش ازدواجية بين رغبتها في القرب وحاجتها إلى حماية نفسها ومهمتها. صمتها يبدو لكول خيانة، لكنه بالنسبة إليها وسيلة لحمايته. قوتها الحقيقية لا تتجلى في القتال أو المراوغة، بل في اللحظة التي تسمح له بالعبور إلى داخل حياتها السرية.

يعمل التهديد الفيروسي في القصة كمرآة مكبرة للعلاقة، إذ يضعهما أمام قرارات مصيرية: هل يتمسك كول بسادي رغم اكتشافه حقيقتها؟ وهل تختار هي كسر جدار السرية من أجله، أم تواصل التضحية بالقرب لإنجاز مهمتها؟ هذه الأسئلة تنقل السرد من مجرد أكشن مسلٍ إلى منطقة المعضلات الإنسانية المعقدة.

بصريًا، يتقاطع الخط العاطفي مع لغة الفيلم الإخراجية، حين تتوقف سادي عن الرد على رسائل كول، يعكس صمته الممزوج بالخيبة عبر لقطات قريبة على عينيه، مما يبرز تحول الانجذاب إلى شعور بالهجر. في مشهد المطار، حين يبدأ تعقبها، يعتمد الفيلم إيقاعًا سريعًا مع كاميرا تركز على وجهه الممزق بين الإثارة والذنب، مشيرة إلى وعيه بتجاوزه خطًا أخلاقيًا. الحوارات الجانبية تكشف براءته، إذ يصر على أنه يحاول "إصلاح سوء تفاهم" وليس التجسس.

مع تقدم الفيلم نحو منتصفه، تصل مشاهد القتال إلى ذروتها بحركات كاميرا دائرية وانقطاعات مونتاجية سريعة، تعكس شعور كول بأنه محاصر داخل عالم سادي، بينما تبدأ هي في إدراك حاجتها لحمايته والانتماء إليه. المطاردة العاطفية تصبح أوضح: لم تعد مجرد محاولة للحاق بالآخر، بل رحلة لإعادة اكتشاف الذات من خلاله.

يبدأ الإيقاع بالهدوء تدريجيًا في الثلث الأخير، حيث تتيح اللقطات القريبة والإضاءة الدافئة لحظات تأمل عاطفي. في المواجهة النهائية، يتجلى التزامهما ببعضهما، ويذوب الحد الفاصل بين المطاردة الجسدية والعاطفية. في مشهد ما قبل النهاية، يجلسان معًا في أول لحظة صمت مريحة، والكاميرا تبتعد قليلًا، موحية بتحول المسافة بينهما من ميدان مطاردة إلى مساحة ثقة. الحوار هنا يترك إشارات خفية تؤكد نهاية المطاردة وبداية مرحلة أكثر استقرارًا.

تجسد عدة مشاهد ثيمة التعقب والمطاردة العاطفية بصريًا وحواريًا. لحظة اكتشاف كول توقف سادي عن الرد تبرز من خلال صمت قصير ولقطات قريبة على عينيه، تعكس تحول الانجذاب إلى شعور بالهجر. الحوار المحدود يترك الفراغ السمعي يعبر عن الفراغ العاطفي، الذي يدفع كول للتتبع. في مشهد المطار، يبرز الإيقاع السريع وتركيز الكاميرا على وجهه الممزق بين الإثارة والذنب وعيه بتجاوزه خطًا أخلاقيًا، لكنه يراه فرصة لاستعادة اتصال مفقود. الحوارات الجانبية تؤكد براءته، إذ يصف نفسه كمن يحاول إصلاح سوء تفاهم، لا كمتجسس.

المشهد الثاني المهم هو مشهد المطار، حيث يبدأ كول تنفيذ خطته لتعقب سادي. إيقاع التصوير هنا سريع، لكن التركيز ليس على تفاصيل أمنية أو لوجستية بقدر ما هو على وجه كول الممزق بين الإثارة والذنب، وكأن الكاميرا تقول لنا إنه يدرك أنه يتجاوز خطًا أخلاقيًا، لكنه مستعد للمخاطرة لأنه يرى في هذا التتبع فرصة أخيرة لاستعادة اتصال مفقود. الحوارات الجانبية في هذا المشهد تكشف عن براءته: فهو لا يصف نفسه كمطارد أو متجسس، بل كشخص يحاول إصلاح سوء تفاهم.

مشهد المواجهة الأولى بعد لحاقه بسادي يمزج الأكشن بالعاطفة. سؤال "لماذا أنت هنا؟" يحمل مستويين: أمني وعاطفي. الردود المقتضبة، النظرات القاطعة، وحركة الجسد المتوترة توحي بأن المعركة الحقيقية ليست مع المسلحين، بل مع الحقيقة غير المعلنة بينهما. مشهد تبادل جهاز الاستنشاق أثناء موقف خطر يحول التتبع من مراقبة إلى إنقاذ، حيث يصبح الجهاز، الذي بدأ كأداة اختراق، وسيلة للحفاظ على الحياة، في نقلة رمزية تظهر كيف يمكن لفعل واحد أن يحمل معاني متناقضة بحسب السياق العاطفي.

المشهد الذي يتجلى فيه المعنى الرمزي للتنفس هو لحظة تبادل الجهاز الاستنشاقي أثناء موقف خطر. هنا تتراجع فكرة التتبع كمراقبة لتحل محلها فكرة التتبع كإنقاذ، حيث يصبح الشيء نفسه الذي بدأ كأداة اختراق للخصوصية وسيلة للحفاظ على الحياة. هذه النقلة البصرية من المراقبة إلى الإنقاذ تُظهر كيف يمكن لفعل واحد أن يحمل معاني متناقضة بحسب السياق العاطفي الذي يوضع فيه.

أما المشهد القريب من النهاية، حين يجلسان معًا بعد تجاوز التهديد، فيقدم أول لحظة صمت غير متوترة بينهما منذ البداية. الكاميرا تبتعد قليلًا، ما يمنح الإحساس بأن المسافة بينهما، التي كانت طوال الفيلم ميدان مطاردة، قد تحولت إلى مساحة يمكن أن تُملأ بالثقة. الحوار هنا لا يعترف مباشرة بالماضي، لكنه يترك إشارات تكفي ليفهم المشاهد أن المطاردة انتهت، وأن ما سيأتي بعد ذلك لن يكون سباقًا، بل ربما مشيًا متوازيًا.

على المستوى الرمزي، تتجاوز فكرة التتبع بعدها الحرفي لتصبح مجازًا عن ديناميكيات العلاقات الحديثة. جهاز التتبع يجسد تداخل الحميمية بالمراقبة، حيث يمكن لأدوات القرب أن تتحول إلى وسائل سيطرة أو قلق. فعل "الاختفاء"، الذي يمنح الفيلم عنوانه، يعمل كمحفز للحب ومصدر للشك في آن واحد، فاتحًا الباب أمام تساؤلات حول أصالة اللقاءات الأولى. إيقاع الأكشن يحاكي نبض العلاقة، لكن غياب لحظات تأمل كافية يجعل بعض التحولات العاطفية تبدو متسارعة. مع ذلك، تنجح الرموز البصرية، مثل جهاز الاستنشاق، في تكثيف فكرة الاعتماد المتبادل وبناء حياة مشتركة.