ارتفاع أعداد السياح يعزز فرص التعافي الاقتصادي في تونس

رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات الاقتصادية كبيرة، بما في ذلك التضخم وارتفاع الأسعار في بعض القطاعات، وأعباء الدين العام

تونس - أعلنت وزارة السياحة التونسية أن عدد السياح الوافدين إلى البلاد تجاوز عشرة ملايين منذ بداية عام 2025 وحتى 20 نوفمبر/تشرين الثاني، مسجلاً ارتفاعًا بنسبة 10.3 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024.

وأوضحت الوزارة أن هذا الرقم يعكس انتعاشًا ملحوظًا في قطاع يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، حيث بلغت العائدات السياحية خلال التسعة أشهر الأولى حوالي 7 مليارات دينار تونسي (نحو 2.33 مليار دولار)، مقابل 6.7 مليارات دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بارتفاع نسبته 8.3 في المئة.

وتعكس هذه الأرقام عودة تونس تدريجيًا إلى خارطة السياحة العالمية، بعد سنوات من التراجع شهدها القطاع جراء أزمات متعددة، اقتصادية وسياسية وأمنية، فاقمتها تداعيات حكم حركة النهضة الإسلامية على مدى عشر سنوات، والتي تميزت باستشراء الفساد وتراجع الاستثمار وارتفاع الدين العام.

ولقد خلفت هذه الحقبة تراكمات مالية كبيرة أثقلت كاهل الدولة، بما في ذلك عجز ميزانية مزمن وارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب، إضافة إلى أزمة في الميزان التجاري بفعل اعتماد الاقتصاد على الواردات.

في هذا السياق، يشكل ارتفاع عدد السياح وعائداتهم مؤشرًا إيجابيًا يعزز من قدرة تونس على مواجهة جزء من هذه التحديات، إذ يوفر القطاع السياحي احتياطات نقدية مهمة ويسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، من خلال الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والخدمات المساندة. وتعتبر العائدات السياحية عاملًا مساعدًا على دعم الميزانية العامة، وتقليص العجز، إضافة إلى أنها تشكل موردًا للعملة الصعبة يخفف الضغط على احتياطات البنك المركزي ويحد من تقلبات سعر صرف الدينار.

ويأتي هذا التعافي في وقت يشهد فيه الاقتصاد التونسي تحولات مهمة، نتيجة الإجراءات التي يقودها الرئيس قيس سعيد. فقد ركزت سياسته على تعديل البوصلة الاقتصادية للبلاد، من خلال محاربة الفساد، وتبني إصلاحات هيكلية، ودعم مشاريع الاستثمار المحلي والأجنبي، مع تعزيز مناخ الأعمال وتحسين البيئة القانونية والتشريعية. وتعتبر هذه الإصلاحات، رغم التحديات السياسية، ركيزة أساسية لتحويل الزخم السياحي الحالي إلى نمو اقتصادي مستدام، يمكن أن يسهم في خلق وظائف جديدة وتقوية قدرات القطاعات الإنتاجية.

ولم تأت الزيادة الملحوظة في عدد السياح خلال العام الحالي من دون عوامل داعمة، إذ سجلت تونس إقبالًا متزايدًا من السياح الأوروبيين، بالإضافة إلى الوافدين من الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا، بما يعكس ثقة متجددة في الأمن والاستقرار النسبي للبلاد. كما تشير توقعات وزير السياحة سفيان تقية إلى احتمال وصول عدد السياح إلى أكثر من 11 مليون سائح بحلول نهاية 2025، ما سيزيد من مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي ويعزز من مكانة تونس كوجهة سياحية رئيسية في منطقة المتوسط.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات الاقتصادية كبيرة، بما في ذلك التضخم وارتفاع الأسعار في بعض القطاعات، وأعباء الدين العام، والحاجة إلى إصلاحات هيكلية أكثر شمولية لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل دائمة. ومع ذلك، يمثل القطاع السياحي، بفضل السياسات التحفيزية والإقبال المتزايد، محورًا يمكن الاعتماد عليه كرافعة اقتصادية لدعم جهود الرئيس قيس سعيد في إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.

في المجمل، يمكن القول إن ارتفاع عدد السياح الوافدين إلى تونس خلال 2025 يمثل مؤشرًا إيجابيًا على قدرة البلاد على التعافي من سنوات من التحديات الاقتصادية والسياسية، ويعكس نجاح الاستراتيجيات الحكومية في تعزيز جاذبية تونس السياحية. كما يشير إلى أن القطاع السياحي يمكن أن يكون أداة فعالة لدعم الاستقرار المالي والاجتماعي، ورافعة أساسية للنهوض بالاقتصاد التونسي في السنوات المقبلة، إذا ما تم استثماره ضمن رؤية شاملة للإصلاح والتنمية المستدامة.