اسرائيل سلحت سرا قوات الهجري لزرع الفوضى في سوريا
دمشق - نقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية عن مسؤولين إسرائيليين، إن تل أبيب تسعى إلى تشكيل مسار التطورات في سوريا عبر دعم مليشيات درزية متحالفة معها، بهدف إضعاف التماسك الوطني السوري وتعقيد جهود الرئيس السوري أحمد الشرع لتوحيد البلاد بعد حربها الطويلة.
وأوضح المسؤولون أن إسرائيل، وردا على "الصعود المفاجئ" للشرع، قامت بعد أيام فقط من الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بتنفيذ عملية نقل جوي للأسلحة إلى مجموعات درزية مسلحة داخل سوريا بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وأفادوا أن هذه "الإمدادات السرية" لم تقتصر على الأسلحة، بل شملت أيضا مساعدات إنسانية، معتبرين أنها جزء من جهود إسرائيل المستمرة منذ سنوات لدعم الدروز.
وأفادت الصحيفة أن تدفق الأسلحة بلغ ذروته في أبريل/ نيسان، ثم تراجع في أغسطس/ آب عقب تحول إسرائيل إلى مسار التفاوض مع الشرع، بعدما ظهرت شكوك لدى المسؤولين الإسرائيليين بشأن موثوقية الانفصاليين الدروز السوريين وإمكانية تحقيق أهدافهم.
وأكد مسؤول إسرائيلي سابق أن تل أبيب ما زالت تواصل تقديم الدعم، ليشمل معدات عسكرية مثل السترات الواقية والمستلزمات الطبية. ونقل التقرير عن مسؤولين دروز أن إسرائيل تدفع رواتب شهرية تتراوح بين 100 و200 دولار لنحو 3 آلاف مقاتل درزي.
العلاقة بين إسـرائيـل وقسـد ليست تحالفًا رسميًا، لكنها تقوم على تقاطع مصالح
وشن سلاح الجو الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على منشآت عسكرية داخل سوريا بهدف منع الشرع من الوصول إلى الأسلحة. كما أنشأت وزارة الدفاع الإسرائيلية مكتبا إداريا جديدا لتنسيق إرسال الأسلحة والمساعدات الإنسانية إلى قوات حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل للطائفة الدرزية، في محافظة السويداء جنوبي سوريا.
وقال مسؤول إسرائيلي سابق إن إسرائيل بدأت، خلال 10 أيام من سقوط نظام الأسد، بتقديم دعم عسكري للدروز، أن جزءا كبيرا من الأسلحة المقدمة كان قد صودر سابقا من عناصر حماس أو حزب الله، وهي أسلحة مستعملة.
وجاء ذلك في تقرير نشرته الصحيفة، نقلا عن مسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين، ومسؤولين دروز وأكراد، (لم تذكر أسماءهم).
وأشار بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى أن دعم إسرائيل للدروز ليس جديدا، بل يعود إلى فترة الحرب الأهلية في سوريا.
وأوضح ثلاث مسؤولين إسرائيليين سابقين أن ضباطا عسكريين إسرائيليين دخلوا إلى سوريا بعد اندلاع الحرب عام 2011، وقاموا بتدريب مليشيات درزية وتقديم أسلحة وعلاج طبي لهم، غالبا بالتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة. وأضافوا أن المساعدات الإسرائيلية للدروز ما زالت مستمرة، لكن بوتيرة وحجم أقل.
وذكر التقرير أن قادة دروزا في إسرائيل، وقبل سقوط نظام الأسد، بحثوا عن شخصية درزية سورية قادرة على قيادة نحو 700 ألف درزي في سوريا في حال سقوط النظام، وتوجهوا في هذا الإطار إلى طارق الشوفي، الذي خدم سابقا في الجيش السوري خلال حكم بشار الأسد.
وأوضح أحد المسؤولين إن 20 شخصا ذو خبرة عسكرية جرى اختيارهم وتوزيع الرتب والمهام بينهم، وبدأ العمل على تشكيل مجموعة باسم "المجلس العسكري" في محافظة السويداء.
وأضاف أن "المجلس العسكري"، الذي كان يقوده الشوفي آنذاك، حظي بدعم الشيخ حكمت الهجري، أحد الزعماء الروحيين للدروز، المولود في فنزويلا، والذي دعا بدعم إسرائيلي إلى إقامة دولة درزية مستقلة.
وأشار مسؤول آخر إلى أن بعض الجهات في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية حولت مبلغ 24 ألف دولار إلى الشوفي عبر تنظيم "قسد".
وأكد أن هذه الأموال استخدمت لتحويل مبنى قديم إلى مركز قيادة، إضافة إلى شراء الزي العسكري والمعدات الأساسية.
وفي الفترة نفسها، دفعت "قسد" نحو نصف مليون دولار بشكل منفصل إلى "المجلس العسكري"، وهو ما أكده مسؤول إسرائيلي سابق واثنان من القادة الدروز في سوريا. وأضاف المسؤولون أن "قسد" دربت مقاتلين دروز، بينهم نساء، في المناطق الكردية شمال شرق سوريا، ولا يزال هذا التدريب مستمرا.
وإلى جانب التدريب، حصل بعض قادة الدروز عبر قنوات كردية على صـواريخ مضـادة للـدروع، وعلى صور ميدانية من أقمار صناعية إسـرائيلية، ما منحهم أفضلية تكتيكية خلال اشتـباكاتهم مع قوات موالية لحكومة الشـرع، بحسب قادة دروز في السويداء.
ونقل التقرير عن مسؤول غربي أن الشيخ الهجري أعد خرائط تتعلق بـ"دولة درزية" يُخطط لإقامتها مستقبلا، وطرحها على الأقل على حكومة غربية كبرى في أوائل عام 2025.
ودعم إسـرائيـل للدروز بات مصدر توتر مزدوج مع دمشق، لأنه يُقوّض سلطة الدولة المركزية. ومع الإدارة الأميركية، التي جعلت دعم الشرع ركيزة في سياستها الإقليمية. وعبر مسؤولون أميركيون عن انزعاجهم من أن تحركات إسـرائيل تُقوّض فرصة نادرة لقيام سوريا موحدة ومستقرة.
ويقول مسؤولون إسـرائيليون إنهم قلّصوا دعمهم العسكري للدروز بعد مايو/أيار 2025، عقب أول لقاء بين الشرع والرئيس الأميركي، وأوقفوا تدفق السـلاح في أغسطس/ آب. وداخليًا، جُمّدت فكرة تحويل الدروز إلى قوة وكيلة كاملة لإسـرائيـل، بسبب الانقسامات الداخلية بينهم وخطر التورط طويل الأمد في سوريا.
ومع الوقت، تصاعدت الصراعات داخل القيادة الدرزية نفسها. ففي أغسطس/ آب حلّت ميليشيا "الحرس الوطني" بقيادة الشيخ حكمت الهجري محل "المجلس العسكري" كمستفيد رئيسي من دعم إسـرائيـل، ما فجّر انقسامات حادة، واتهامات بالخـطف والفسـاد والتهـريب.
وأوضح التحقيق أن العلاقة بين إسـرائيـل وقسـد ليست تحالفًا رسميًا، لكنها تقوم على تقاطع مصالح: إسـرائيـل ترى في قسـد شريكًا مفيدًا لإضعاف دمشـق الجديدة ومنع تمركز قوة مركزية معادية. و"قسـد" تستفيد من التموضع كلاعب إقليمي يملك قنوات مع تل أبيـب وواشـنطن، ويعزّز موقعه التفاوضي في مستقبل سوريا.
ورغم هذا التعاون، بقيت إسـرائيـل حذرة من الذهاب بعيدًا في الاستثمار الكـردي، خشية استفزاز أنقرة، وتعقيد أي اتفاق أمـني محتمل مع حكومة الشرع.