اسلاميو المغرب يفتتحون سباق التشريعية مبكرا بخطاب تصعيدي

حزب العدالة والتنمية الذي خرج في الانتخابات التشريعية السابقة بهزيمة قاسية يحاول إعادة التموضع سياسيا من باب اثارة قضايا اجتماعية ومهاجمة الائتلاف الحكومي.

الرباط - صعّد حزب العدالة والتنمية من لهجته تجاه الحكومة المغربية، متهماً إياها بـ"الفشل الذريع" في تدبير سوق الأضاحي للسنة الثالثة على التوالي، ومحملاً إياها مسؤولية ما وصفه بمعاناة المواطنين بسبب ارتفاع الأسعار وضعف العرض، رغم مليارات الدراهم التي تم ضخها في برامج دعم القطاع وإعادة تشكيل القطيع الوطني.

غير أن هذه المواقف تطرح أكثر من سؤال سياسي بشأن توقيتها وخلفياتها، خاصة أنها تأتي في مرحلة بدأت فيها ملامح الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة تتشكل داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث تدخل المملكة مرحلة سياسية حاسمة مع التحضير لانتخابات 2026 المخصصة لتجديد مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعداً، في محطة يُنتظر أن تعيد رسم التوازنات الحزبية والتحالفات السياسية.

ويمثل هذا الاستحقاق محطة مركزية لتقييم التجربة الحكومية الحالية ورسم ملامح الخريطة السياسية المقبلة. وقد أعلنت الحكومة رسمياً أن الاقتراع سيجرى يوم الأربعاء 23 سبتمبر/ايلول 2026، على أن تنطلق الحملة الانتخابية يوم 10 وتنتهي في 22 من نفس الشهر، ما يضع الأحزاب أمام سباق انتخابي مضبوط زمنياً ومكثف سياسياً.

وتتزامن هذه المرحلة مع تحولات تنظيمية لافتة داخل المشهد السياسي، أبرزها إعلان رئيس الحكومة الحالي ورئيس حزب "التجمع الوطني للأحرار"، عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب، وانتخاب محمد شوكي لقيادته نحو انتخابات 2026. وتعيد هذه الخطوة ترتيب أوراق التنافس داخل الأغلبية الحكومية التي تضم أيضاً "الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال"، في مقابل سعي المعارضة، وفي مقدمتها "العدالة والتنمية" و"الاتحاد الاشتراكي"، إلى استعادة موقعها داخل المعادلة السياسية.

واعتبر الحزب الإسلامي في بيان صادر عن الأمانة العامة أن الحكومة أخفقت في تحقيق النتائج المرجوة من الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام ومن برنامج إعادة بناء القطيع، مشيراً إلى أن المواطنين وجدوا أنفسهم مجدداً أمام أسعار مرتفعة وأسواق لا تستجيب للطلب. كما وجه انتقادات حادة لما سماه "المنهجية الرأسمالية المتوحشة" في تدبير القطاعات الإنتاجية، متهماً الحكومة بخدمة الاحتكار والريع على حساب صغار ومتوسطي المنتجين، مع تحميلها مسؤولية ما اعتبره فشلاً في ضمان توازن السوق.

ولم يتوقف هجوم 'البيجيدي' عند ملف الأضاحي، بل امتد إلى مشروع القانون رقم 013.26 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، حيث استنكر ما اعتبره تحريفاً لفلسفة "مستحقات النسخة الخاصة"، وطالب الحكومة بالتراجع عن التعديلات التي تتيح استفادة ناشري الصحف من جزء من هذه الموارد، معتبراً أن ذلك يمس جوهر الغاية الأصلية من هذه الآلية.

وتبدو عودة العدالة والتنمية إلى واجهة النقاش عبر ملف الأضاحي ذات دلالة سياسية واضحة، فاختيار قضية تمس الحياة اليومية للمواطنين وترتبط بشعيرة دينية ذات حساسية اجتماعية يعكس توجهاً نحو استثمار الملفات الأكثر تأثيراً في المزاج الشعبي، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ويزداد هذا المعطى وضوحاً إذا استُحضر أن الحزب خرج من انتخابات 2021 بخسارة قاسية أنهت عشر سنوات من قيادته للحكومة، وانتقل من موقع الصدارة إلى معارضة محدودة التأثير. وهذه الهزيمة، التي اعتبرها كثيرون عقاباً انتخابياً على حصيلة تدبيره، دفعت الحزب إلى إعادة البحث عن أدوات استعادة الحضور الشعبي.

ومن هنا، يمكن فهم التركيز على القضايا الاجتماعية باعتباره محاولة لإعادة ربط الحزب بقاعدته الانتخابية التقليدية، فالأضحية ليست مجرد شعيرة دينية، بل مؤشر مباشر على القدرة الشرائية للأسر، ما يجعلها أرضية مثالية لتأطير خطاب سياسي اجتماعي عالي التأثير.

ويواجه 'العدالة والتنمية' تحديات داخلية لا تقل تعقيداً عن وضعه الخارجي، إذ يعيش على وقع تداعيات الهزيمة الانتخابية، بما في ذلك انقسامات تنظيمية وأزمة مالية ومغادرة قيادات بارزة وجهت انتقادات حادة للأمين العام عبدالإله بنكيران، متهمة إياه بالتفرد في اتخاذ القرار وإضعاف البنية المؤسساتية للحزب.

ويمكن قراءة عودة بنكيران إلى واجهة الجدل عبر ملفات اجتماعية باعتبارها محاولة لإعادة تموضع الحزب واستعادة دوره كصوت احتجاجي داخل المشهد السياسي، عبر التركيز على قضايا معيشية قادرة على تعبئة الرأي العام.

لكن هذا الخطاب يفتح باباً واسعاً للمساءلة السياسية حول حصيلة الحزب خلال عقد من الزمن في الحكم، فالقضايا التي يثيرها اليوم، مثل القدرة الشرائية والبطالة والخدمات العمومية، كانت بدورها في صلب النقاش خلال ولايتي حكومتي بنكيران وسعدالدين العثماني، دون أن تُترجم إلى حلول هيكلية حاسمة في ملفات كبرى مثل أزمة المياه وإصلاح الصحة ومحاربة البطالة.

ومن هذا المنظور، تبرز أهمية المقارنة بين حصيلة عشر سنوات من حكم العدالة والتنمية وما أنجزته الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش خلال فترة أقصر نسبياً، رغم تحديات الجفاف والتضخم والاضطرابات الجيوسياسية وتداعياتها، وهي مقارنة تظل حاسمة في تقييم وجاهة الخطاب السياسي الحالي للاسلاميين.

أما بخصوص ملف حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، فإن موقف 'العدالة والتنمية' يثير بدوره تساؤلات حول البدائل المقترحة، إذ يكتفي برفض المشروع الحكومي دون تقديم تصور متكامل لإصلاح القطاع، ما يجعل موقفه أقرب إلى إدارة نقاش سياسي وقانوني مفتوح أكثر من كونه طرحاً تشريعياً بديلاً، خصوصاً في ملف سبق أن أثير حوله جدل خلال فترة حكمه.

وتبدو تحركات 'العدالة والتنمية' جزءاً من إعادة تموضع مبكر استعدادا لانتخابات 2026، عبر الاستثمار في القضايا الاجتماعية والثقافية الأكثر حساسية. وبينما يقدم الحزب هذه المواقف كدفاع عن المواطنين، يرى خصومه أنها تعكس بداية حملة انتخابية غير معلنة تهدف إلى استعادة موقع سياسي تراجع بشكل كبير منذ مغادرته السلطة.

وتأتي هذه التطورات في سياق انتخابي واسع يشهد استعداد المغرب لانتخابات 2026، التي ستحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة، وسط نقاشات حول تخليق الحياة السياسية والنظام الانتخابي وآليات استقطاب الشباب، في ظل مشاركة متوقعة لأكثر من 4 ملايين ناخب شاب لأول مرة.

وتبقى الانتخابات مفتوحة على كل السيناريوهات، بين رغبة الأغلبية في الحفاظ على مواقعها، وطموح المعارضة في استثمار التحولات التنظيمية لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمملكة.