تعيينات ملكية تعزز استمرارية المؤسسات وتكرس التوازن الدستوري وتحصن المسار الديمقراطي

التعيينات الجديدة في المحكمة الدستورية تكتسب بعدا إضافيا بالنظر إلى توقيتها الذي يسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر.

الرباط – في خطوة تعكس حرص المملكة المغربية على ضمان استمرارية مؤسساتها الدستورية وتجديد هياكلها وفق مقتضيات الدستور والقوانين التنظيمية، استقبل العاهل المغربي الملك محمد السادس، الخميس بالقصر الملكي بالرباط، الأعضاء الجدد المعينين بالمحكمة الدستورية، وفي مقدمتهم محمد أمين بنعبدالله الذي حظي بالثقة الملكية لتولي رئاسة هذه المؤسسة الدستورية المحورية.

وأوضح بلاغ صادر عن الديوان الملكي أن هذه التعيينات تأتي في إطار تطبيق أحكام الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، خاصة المقتضيات المرتبطة بالتجديد الدوري لثلث أعضائها، بما يضمن استمرارية عمل المؤسسة المكلفة بالسهر على احترام الدستور وصيانة التوازن بين السلطات الدستورية.

وشملت التعيينات الملكية كلاً من محمد أمين بنعبدالله رئيساً للمحكمة الدستورية وعضواً بها، وسعد غزيول برادة عضواً بالمحكمة، فيما استقبل العاهل المغربي أيضاً أحمدو الباز المنتخب من طرف مجلس النواب، وعبدالحفيظ أدمينو المنتخب من طرف مجلس المستشارين، حيث أدى الأعضاء الجدد القسم بين يدي الملك خلال مراسم رسمية بالقصر الملكي.

وتبرز هذه التعيينات مبدأ التوازن المؤسسي الذي أرساه دستور المملكة في تشكيل المحكمة الدستورية، إذ تتوزع صلاحيات اختيار أعضائها بين الملك والبرلمان بغرفتيه، بما يعكس حرص المشرع الدستوري على إضفاء طابع تعددي على تركيبة المحكمة وتعزيز استقلاليتها، بما يمكنها من أداء مهامها بعيداً عن أي تأثيرات سياسية أو مؤسساتية.

ويكتسب هذا التجديد أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع المحوري الذي تحتله المحكمة الدستورية داخل المنظومة السياسية والدستورية المغربية، باعتبارها الضامن الأعلى لاحترام أحكام الدستور، والساهرة على حماية التوازن بين السلطات، فضلاً عن دورها في تأمين سلامة المسار الديمقراطي وضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية والمرشحين خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية.

وتبرز أهمية المحكمة الدستورية باعتبارها إحدى المؤسسات المحورية الضامنة لسلامة المسار الانتخابي، فإلى جانب اختصاصها في مراقبة دستورية القوانين، تضطلع المحكمة بمهام البت في الطعون المرتبطة بانتخاب أعضاء البرلمان، والفصل في النزاعات الانتخابية، والتأكد من مطابقة النصوص القانونية المنظمة للاستحقاقات الانتخابية لأحكام الدستور. كما أن قراراتها تكتسي أهمية بالغة في الحفاظ على نزاهة المنافسة السياسية وضمان المساواة بين مختلف الفاعلين السياسيين، بما يعزز الثقة في العملية الديمقراطية ومخرجاتها.

وتزداد أهمية هذه المؤسسة بالنظر إلى اختصاصها في الفصل في النزاعات الانتخابية التي قد تؤثر على تشكيل الأغلبية البرلمانية أو على التوازنات السياسية داخل المؤسسة التشريعية، وهو ما يجعلها أحد الضمانات الأساسية لاستقرار النظام السياسي وحماية الإرادة الشعبية المعبر عنها عبر صناديق الاقتراع.

وتكتسب هذه التعيينات بعداً إضافياً بالنظر إلى توقيتها الذي يسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول 2026 لانتخاب أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 نائباً. وتعيش المملكة بالفعل على وقع التحضيرات لهذا الاستحقاق الوطني، مع انطلاق عمليات التسجيل في اللوائح الانتخابية واستعداد الأحزاب السياسية لخوض منافسة ينتظر أن تشكل إحدى أبرز المحطات السياسية خلال العام الجاري.

ومن هذا المنطلق، ينظر إلى استكمال تجديد تركيبة المحكمة الدستورية وتعيين رئيس جديد لها قبل أشهر من موعد الاقتراع باعتباره خطوة تستهدف تعزيز الثقة في المؤسسات المكلفة بحماية المشروعية الدستورية وضمان نزاهة العملية الانتخابية.

ويرى متابعون أن توقيت هذه التعيينات يحمل دلالات تتجاوز الجانب الإجرائي المرتبط بالتجديد الدوري للأعضاء، ليعكس حرص الدولة على عدم ترك أي فراغ داخل مؤسسة دستورية تضطلع بأدوار حاسمة خلال المراحل السياسية والانتخابية المهمة. كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن المؤسسات الدستورية المغربية تواصل أداء وظائفها وفق قواعد ثابتة ومنتظمة بعيداً عن منطق الظرفية أو الاستثناء.

وعلى مستوى الكفاءات المعينة من قبل الملك، يأتي اختيار محمد أمين بنعبدالله بالنظر إلى المسار المهني والقانوني الذي راكمه في عدد من المسؤوليات المرتبطة بالشأن الدستوري والمؤسساتي، وما راكمه من خبرة في المجالات القانونية والإدارية، ما يجعله من الكفاءات المؤهلة لقيادة المحكمة الدستورية خلال مرحلة تتسم بتحديات تشريعية ومؤسساتية متزايدة.

كما تم تعيين سعد غزيول برادة عضواً بالمحكمة الدستورية ضمن الحصة الملكية، في إطار الحرص على الاستفادة من الكفاءات القانونية والقضائية القادرة على الإسهام في تعزيز أداء المؤسسة والارتقاء بأدوارها الرقابية والدستورية، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.

وتعكس التركيبة الجديدة للمحكمة الدستورية توجهاً مؤسساتياً يروم الاستفادة من خبرات متنوعة تجمع بين الممارسة القانونية والتجربة المؤسساتية والكفاءة الأكاديمية، بما يعزز قدرة المحكمة على مواكبة التحولات التي تعرفها المملكة على المستويات التشريعية والسياسية والدستورية.

وتؤكد هذه التعيينات أن المملكة ماضية في ترسيخ دولة المؤسسات والقانون وتعزيز الآليات الدستورية الكفيلة بحماية التوازنات السياسية وضمان استمرارية المرفق الدستوري. كما أن الرؤية الملكية في اختيار رئيس المحكمة الدستورية وأعضائها تعكس حرص الملك محمد السادس على صيانة المشروعية الدستورية، وضمان نزاهة العملية الديمقراطية، وحماية الحقوق السياسية للمواطنين، بما يساهم في تحقيق تطلعات المواطن المغربي وتعزيز ثقته في مؤسسات الدولة. ويؤكد ذلك الدور المحوري الذي يضطلع به الملك باعتباره الضامن لاستمرار الدولة والمؤسسات، والحامي للحقوق والحريات، والراعي لمسار الإصلاح الديمقراطي والتنمية السياسية.