اعتقال مادورو يُعيد إنتاج منطق القوة في العلاقات الدولية
أعادت العملية الأميركية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتي هي أقرب لعملية اختطاف بغض النظر عن سياسات مادورو وشرعيته التي يحددها شعبه وهو الوحيد المخول بالتغيير، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي المعاصر: حدود استخدام القوة ومشروعية التدخل العسكري خارج أطر الشرعية الدولية.
وبعيدًا عن التوصيفات السياسية المتباينة، يطرح ما جرى في فنزويلا أسئلة قانونية جوهرية حول احترام سيادة الدول، وحظر استخدام القوة وخطورة تكريس سوابق قد تعيد العالم إلى منطق القوة العارية بدل حكم القانون.
ووفق المعايير المستقرة في القانون الدولي، لا سيما ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر على الدول استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي، إلا في حالتين محددتين: الدفاع الشرعي عن النفس، أو تفويض صريح من مجلس الأمن.
وبالنظر إلى المعطيات المتوافرة، لم يصدر أي قرار أممي يجيز التدخل العسكري في فنزويلا، كما لم تُعلن واشنطن تعرضها لهجوم مسلح يبرر اللجوء إلى الدفاع عن النفس. وعليه، فإن العملية التي أسفرت عن اعتقال رئيس دولة معترف بها دوليًا تضع نفسها، من حيث المبدأ، خارج الإطار القانوني الدولي.
هذا الخلل القانوني هو ما دفع أطرافًا دولية وازنة إلى وصف العملية بأنها "سابقة خطيرة"، كما عبّر عن ذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وفرنسا التي اعتبرت أن التدخل الأميركي يتعارض مع القانون الدولي والبرازيل التي رأت أن واشنطن تجاوزت "خطًا غير مقبول" وغيرها من دول العالم التي نظرت للعملية على أنها تجاوز وانتهاك صارخ للقانون الدولي.
وهذه المواقف لا تعكس بالضرورة دفاعًا عن نظام مادورو بقدر ما تعبّر عن قلق حقيقي من تقويض القواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.
ولم يكن الأكثر إثارة للجدل فقط تنفيذ العملية، بل الخطاب السياسي الذي أعقبها، فقد لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إمكانية توسيع تركيز واشنطن ليشمل كوبا، كما تحدّث صراحة عن "إدارة" فنزويلا، فيما فُهم على نطاق واسع باعتباره تلميحًا إلى شكل من أشكال الاحتلال أو الوصاية المباشرة.
هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية تجاوزها القانون الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ويطرح مخاوف من عودة منطق "تغيير الأنظمة بالقوة" كأداة مشروعة في السياسة الدولية.
وتزداد الشكوك حول دوافع العملية عند ربطها بالتصريحات الأميركية المتكررة بشأن النفط الفنزويلي. إذ أعلن ترامب بوضوح أن الولايات المتحدة "ستنخرط بقوة" في قطاع النفط الفنزويلي وأن شركات النفط الأميركية الكبرى ستتوسع في عملها داخل البلاد.
ومن منظور قانوني وسياسي، يثير هذا الربط تساؤلات حادة حول ما إذا كان التدخل يندرج ضمن حماية السلم الدولي، اذا سلمنا جدلا بأنه تدخل "لحماية السلم الدولي"، أم أنه أقرب إلى استخدام القوة لتحقيق مكاسب اقتصادية، وهو ما يشكّل انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الموارد بالقوة.
ومع ذلك، تقتضي القراءة المتوازنة الإقرار بأن واشنطن تستند في خطابها إلى سجل فنزويلا الداخلي، بما يشمله من أزمات سياسية واقتصادية وانتهاكات لحقوق الإنسان، لتبرير تحركها أمام الرأي العام الداخلي والدولي، غير أن القانون الدولي، رغم اعترافه بمبدأ حماية حقوق الإنسان، لا يمنح الدول حق التدخل العسكري الأحادي أو اعتقال قادة دول ذات سيادة خارج إطار جماعي واضح ومحدد.
الخطورة الأكبر تكمن في البعد المستقبلي لهذه السابقة، فإذا أصبح اختطاف أو اعتقال رؤساء الدول بالقوة سلوكًا مقبولًا، فإن ذلك يفتح الباب أمام استنساخ التجربة في دول أخرى تُصنَّف على أنها خصوم أو "شوكة في خاصرة" قوى كبرى. وفي عالم يشهد تصاعد التوترات بين المعسكرات الدولية، قد يؤدي هذا المنطق إلى تآكل ما تبقى من النظام القانوني الدولي، وتحويل العلاقات بين الدول إلى سلسلة من عمليات الردع والرد المضاد.
من هنا، لا تقتصر تداعيات العملية الأميركية في فنزويلا على الداخل الفنزويلي أو الإقليم اللاتيني، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي نفسه، فالتطبيع مع استخدام القوة خارج الشرعية، مهما كانت الذرائع، ينذر بعالم أقل استقرارًا وأكثر قابلية للانفجار، حيث تُدار النزاعات بمنطق القوة لا بمنطق القانون.
وتكشف قضية فنزويلا عن مفترق طرق خطير: إما إعادة الاعتبار للقانون الدولي بوصفه الإطار الناظم الوحيد لاستخدام القوة، أو الانزلاق نحو نظام دولي يقوم على منطق "من يملك القوة يملك القرار". وبين هذين الخيارين، تبدو الحاجة ملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى موقف دولي واضح يمنع تحويل هذه العملية إلى نموذج يُحتذى، قبل أن تصبح السابقة قاعدة، والاستثناء نهجًا دائمًا في العلاقات الدولية.
وتزداد المخاوف القانونية والسياسية المحيطة بالعملية الأميركية في فنزويلا عند استحضار السوابق التاريخية لتدخلات عسكرية قادتها الولايات المتحدة تحت مبررات تبيّن لاحقًا أنها واهية أو مفبركة. أبرز هذه السوابق غزو العراق عام 2003، الذي بُني على ادعاءات امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، ووجود صلات مباشرة بين بغداد وتنظيم القاعدة. هذه المبررات شكّلت الأساس السياسي والقانوني للحرب، غير أن لجان التفتيش الدولية، ثم التقارير الأميركية والبريطانية الرسمية لاحقًا، أكدت عدم العثور على أي أسلحة دمار شامل، ما جعل الغزو مثالًا صارخًا على استخدام معلومات غير دقيقة لتبرير تغيير نظام بالقوة.
لم يكن العراق حالة استثنائية، ففي حرب فيتنام، استُخدم "حادث خليج تونكين" عام 1964 ذريعة لتوسيع التدخل العسكري الأميركي، قبل أن تكشف وثائق لاحقة أن الحادثة إمّا أُسيء تفسيرها أو لم تقع بالشكل الذي رُوّج له. وفي أميركا اللاتينية، دعمت واشنطن انقلابات عسكرية، كما في تشيلي عام 1973، بذريعة مواجهة المد الشيوعي وحماية الديمقراطية، ليتضح لاحقًا أن التدخل ساهم في إسقاط حكومة منتخبة ديمقراطيًا وتنصيب نظام عسكري استمر سنوات طويلة.
وفي بنما عام 1989، أطاحت الولايات المتحدة بالرئيس مانويل نورييغا تحت مبررات تتعلق بمكافحة المخدرات وحماية الرعايا الأميركيين، رغم أن العملية قوبلت بانتقادات دولية واسعة بسبب حجم القوة المستخدمة، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وغياب تفويض دولي واضح. كما شهدت أفغانستان بعد عام 2001 تمددًا عسكريًا طويل الأمد، بدأ تحت عنوان مكافحة الإرهاب، لكنه انتهى بانسحاب أميركي وعودة حركة طالبان إلى الحكم، ما طرح تساؤلات عميقة حول جدوى التدخل العسكري ونتائجه الفعلية.
هذه السوابق تبرز نمطًا متكررًا في السياسة الأميركية، يقوم على توظيف خطاب أمني أو إنساني لتبرير التدخل، قبل أن تنكشف لاحقًا محدودية هذه الذرائع أو تناقضها مع الوقائع. ومن هذا المنظور، فإن ما جرى في فنزويلا لا يُقرأ بمعزل عن هذا التاريخ، بل يُنظر إليه كحلقة جديدة في سلسلة تدخلات أعادت تشكيل دول ومجتمعات، غالبًا بثمن إنساني وسياسي باهظ، ودون أن تحقق الاستقرار الموعود، بينما تقف تجارب تدخلات سابقة من العراق إلى أفغانستان إلى ليبيا، وان استندت إلى مبررات بغض النظر عن شرعيتها من عدمه، دليلا على أن تغيير الأنظمة بالقوة لفرض "الديمقراطية" وحماية حقوق الانسان، انتهت إلى خراب وفوضى.
واستحضار هذه التجارب قد لا يعني تبرئة أنظمة مستهدفة من إخفاقاتها أو انتهاكاتها، لكنه يسلّط الضوء على خلل بنيوي في آلية إدارة الأزمات الدولية حين تتحول القوة العسكرية إلى أداة أولى، لا أخيرة. وهو ما يعزّز المخاوف من أن تتحول العملية في فنزويلا إلى تكرار لسيناريوهات سابقة، حيث تُستبدل سيادة الدولة بمنطق الوصاية، ويُفتح الباب أمام فوضى طويلة الأمد تتجاوز حدود البلد المستهدف.