إعادة تشكيل المشهد في البحر الأحمر
ينطوي إصرار إسرائيل على الاعتراف باستقلال ما يسمى بجمهورية أرض الصومال على مكونات جيوستراتيجية مهمة، تتجاوز إقليم يبحث عن الاستقلال منذ ثلاثة عقود، فالزيارة التي قام بها قبل أيام وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر إلى هيرغيسا، عاصمة أرض الصومال ولقاء كبار المسؤولين فيها، تؤكد أن عملية الاعتراف تمهيد لتحركات أكثر دراماتيكية في جنوب البحر الأحمر، بحكم الموقع الجغرافي المتميز لها، وما يوفره من إمكانيات عسكرية لمن يستطيع عقد تحالفات مع حكومتها.
يشير تعامل بعض القوى الإقليمية بصرامة مع الخطوة الإسرائيلية، ممثلا في ادانات ودعم لوحدة الدول، إلى فهم يتجاوز المعاني السياسية والدبلوماسية المعلنة، والتي يحاول مسؤولو أرض الصومال اختزالها فيها، فدخول تل أبيب في شراكة أو تحالف رسمي مع هيرغيسا في هذا التوقيت، يعزز رغبة الأولى في إعادة تشكيل المشهد في منطقة الشرق الأوسط، ولأن البحر الأحمر يمثل أهمية فائقة، فالتحكم فيه من جهة الجنوب وامتلاك قدرة لمضايقة قوى منافسة، بات خيارا واضحا في أجندة إسرائيل.
أكدت الضربات التي تعرضت لها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، والتهديدات التي وجهتها جماعة الحوثي في اليمن أن البحر الأحمر لم يعد ممرا آمنا، ومن الضروري التدخل لضبط ايقاعه بما يسمح لإسرائيل بتخفيف أضرارها، ومضايقة خصومها عن كثب، وعبر أرض الصومال تستطيع تل أبيب نقل معركتها من حدودها الجغرافية المباشرة إلى فضاء أرحب، يساعدها على أن تكون عنصرا فاعلا كبيرا في المنطقة، وتلعب دورا في إعادة تشكيله بالطريقة التي تلبي مصالحها الإستراتيجية.
من المتوقع أن تكون أرض الصومال ساحة لتجاذبات كبيرة في القرن الأفريقي والجهة المقابلة له في اليمن، وكلاهما له إطلالة بدرجات مختلفة على أحد أهم الممرات العالمية، سواء من جهة خليج عدن أو البحر الأحمر، ما جعل اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال، على الرغم من رمزيته حتى الآن، يحمل إشارات خطيرة، ذات مكونات متشابكة، فهذا التحرك فتح شهية قوى مختلفة على متابعة ما يجري في المنطقة، وعدم تجاهل ما يدبر لها من ترتيبات للتحكم في أحد المفاصل العالمية.
يحتاج قراءة المشهد التفات إلى حجم القوى الفاعلة في البحر الأحمر، أو على مقربة منه، فجيبوتي وإريتريا والصومال وأرض الصومال، تعج بقواعد عسكرية لقوى إقليمية ودولية عديدة، ودخول إسرائيل على الخط بعد سنوات طويلة من التمركز والتحركات غير المباشرة قد يؤجج الصراعات، ويخرجها من نطاق ظل متحكما فيها، وعصمها من الدخول في مرحلة مريرة من الصراع، لأن القواعد المتواجدة في جزء كبير منها عنصر ردع، وبدخول إسرائيل عبر بوابة أرض الصومال، خاصة إذا امتلكت قاعدة عسكرية في ميناء بربرة، سوف تتصاعد حدة المواجهة معها.
وأي مواجهة صريحة ومفتوحة سوف تؤدي إلى خروج الموقف من الإطار السياسي الذي يمكن تطويقه دبلوماسيا، إلى فضاء أمني يصعب التعامل معه بالوسائل التقليدية، فلدى تل أبيب أهدافا تريد الوصول إليها من وراء اعترافها بأرض الصومال، وتمركزها العسكري في هذا الإقليم أبعد من قضية تهجير شريحة من سكان قطاع غزة، التي لها بدائل عدة، فما تريده تل أبيب تكمن خطورته في فرض أمر واقع يمكنها من القبض على مفاتيح البحر الأحمر ومضايقة خصومها في عقر دارهم أو بالقرب منه، وتخفيف من حدة التهديدات التي قد تتعرض لها في المستقبل.
تبدو لعبة الاعتراف بأرض الصومال كبيرة، وربما تجر إلى اعترافات من قبل دول أخرى، فما قامت به إسرائيل قمة جبل ثلج فقط، يحمل مفاجآت خطيرة، من نوعية الامعان في تفتيت المنطقة، وظهور كيانات جديدة فيها، وهي طريقة تمكن تل أبيب من استقطاب قوى لدعمها، لما يعتقده كثيرون أنها تتحكم في قلب وعقل الولايات المتحدة، وما تمتلكه من أدوات تساعدها على دعم حلفائها ليصبحوا قريبين من مشاركتها في تحقيق مراميها، وأبرزها تفكيك الحالة الراهنة في البحر الأحمر، بالشكل الذي يؤدي بها إلى إعادة تنظيمه وخلق معادلة جديدة تخدم مصالحها البعيدة.
يمر الوصول إلى هذا الهدف بطرق متعرجة، بعضها تجيد إسرائيل التحكم فيه، وبعضها سيواجه ممانعات ضارية من قوى منافسة، ما يعني أن هناك صداما محتملا أو انفجارا قويا يمكن أن يهز أركان منطقة القرن الأفريقي، التي درجت على التعامل مع نزاعاتها بالوكالة فترة طويلة، من خلال قيام قوى دولية باستقطاب حركات محلية تعمل لحسابها، وهو شكل ساد على مدار العقود الأربعة الماضية ولم تتغير قسماته، صعودا أو هبوطا، وفي أحلك سنوات الاقتتال بالصومال أو في دول مجاورة له.
ينقل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال هذه المعادلة من خانتها المعروفة إلى خانة أخرى شديدة الحساسية، وأكثر رحابة في تفاصيلها الخفية، لأن المعارك التي دارت سابقا داخل أقاليم الصومال بين قوى محلية والحكومة المركزية، كانت لها كفيل خارجي، ومحكومة بمعايير ظرفية، والآن الصورة انتقلت إلى مربع آخر، ربما تشهد قسماتها صداما عسكريا ضاريا، يقود المنطقة إلى تغيرات جوهرية، ما يخدم قوى تريد عدم الاكتفاء بالخلخلة التقليدية وحدوث تحولات تمكنها من تحقيق أهدافها الخفية.
يحتاج نجاح مقاربة إعادة تشكيل المشهد في البحر الأحمر وقتا طويلا، وسيقود إلى شد وجذب، وتغيرات في أنماط التحالفات، وانخراط قوى إقليمية ودولية كانت بعيدة عن تطوراته أو تراقبها من دون تدخل مباشر فيها.
إذا تم الوصول إلى هذه النقطة، فذلك يعني أن العالم مقدم على شبكة من التحولات، حيث يصعب فصل ما يجري عند المدخل الجنوب للبحر الأحمر عما يدور في منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من عامين، وكلاهما يمثل حلقة وصل أساسية للآخر، فلم يعد تأثير الأزمات قاصرا على محيطها الجغرافي، ورأينا ارتدادات حرب إسرائيل على غزة وصلت إلى اليمن وإيران والعراق وسوريا ولبنان، وفي كل منهم قوى بعيدة تتحرك على أرضه بدرجة عالية من الحرية، كجزء من أمنها القومي، الحقيقي أو المفتعل، وهو ما ينطبق على إقليم أرض الصومال، الذي جذب الأنظار إليه مبكرا بموقعه الجغرافي وتجربته التنموية ورغبته في الحصول على الاستقلال.
يُعد انفتاح قيادة هيرغيسا على تل أبيب دليلا جديدا على أن أرض الصومال إقليم يمثل وجعا في الخاصرة الجنوبية للبحر الأحمر، والذي تطل عليه مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي والسعودية واليمن والأردن، وكل منهم يتقاطع أو يتنافر مع إسرائيل، وله علاقات إيجابية أو سلبية مع قوى كبرى تضع عيونها على البحر الأحمر، ما يشي بأن خطوة الاعتراف مرشحة لمزيد من التفاعلات في المنطقة.