الأرض الصلبة: رحلة سام بين الفقد والحب واكتشاف الذات

رواية الألماني بينيدكت ويلز تقوم على شبكة من الشخصيات التي تتحرك داخل صيف استثنائي.

رواية "الأرض الصلبة" للألماني بينيدكت ويلز رواية عن النضج الذي يتشكل من مواجهة الحياة كما هي، لا كما نريدها أن تكون، تنفتح منذ الصفحات الأولى على ذلك العالم المعلق بين الطفولة التي تتداعى والمراهقة التي تشق طريقها بصعوبة نحو النضج، عالم مليء بالأسئلة الحارقة، بالخيبات الأولى، بالحب الذي يولد مشوبًا بالرهبة، وبالموت الذي يطل على الأبواب ليحيل كل شيء إلى هشاشة عميقة.

تقوم الرواية التي ترجمتها عن الألمانية زهراء باحكيم وصدرت عن دار العربي، على شبكة من الشخصيات التي تتحرك داخل صيف استثنائي، صيف يشهد فيه البطل ـ سام ـ أكثر التحولات قسوة وإضاءة في حياته. سام هو محور السرد، فتى لم يتجاوز السادسة عشرة بعد، يجد نفسه محاصرًا بين فقدان الأم التي ترحل في بداية الأحداث وبين قلق أب لا يجيد التعبير عن مشاعره، وأخت بعيدة هي جين التي انتقلت منذ سنوات إلى الساحل الغربي ولم يعد لها حضور إلا في ذكريات الطفولة. سام يطل على العالم من زاوية هشّة، صبي يعاني نوبات قلق، يهرب إلى الجيتار والموسيقى، ويبحث في الوقت نفسه عن صداقات تمنحه ما هو أبعد من عزلته.

مع عمله الصيفي في السينما المحلية "متروبوليس" ينفتح أمامه فضاء جديد، إذ يدخل إلى دائرة ثلاثة من المراهقين الذين سيكونون بالنسبة إليه بوابة العبور إلى العالم الآخر. هناك كريستي أندريتي، الفتاة الشقراء الذكية ذات الحضور المزدوج: قادرة على السخرية والفظاظة في العلن، وفي الوقت ذاته تحمل هشاشة خفية لا يراها إلا من اقترب منها. تظهر كريستي لامعة وساحرة، لكن أيضًا جادة حين يتطلب الأمر، وهي ابنة صاحب السينما السيد أندريتي، الرجل المرح الذي يدير أكثر من عمل في البلدة. ومن خلال كريستي يتعرف سام على صداقة جديدة من نوع خاص، مشوبة بالانجذاب العاطفي والارتباك المراهق.

إلى جانب كريستي هناك كاميرون ليثهاوزر، الفتى الطويل ذو الملامح غير المتناسقة، مليء بالحيوية والثرثرة والنكات الغريبة. كاميرون هو الذي يفتح الأبواب لسام، يقوده عبر دهاليز السينما ويفرض عليه إيقاع الجماعة. صديقه الأقرب في المجموعة هو هاي تاور ـ واسمه الحقيقي براندون جيمسون ـ لاعب كرة القدم الأسمر، الملقب بالبرج العالي، صاحب الشعبية الكبيرة في المدرسة. شخصية قوية وصامتة في أغلب الأحيان، لكنه يترك أثره في ثقل حضوره وجديته، وكأنه الضلع الأكثر صلابة في هذه الحلقة. وهكذا تتشكل معًا رباعية صغيرة: كريستي، كاميرون، هاي تاور، ومعهم سام الذي يحاول أن يجد لنفسه مكانًا بينهم.

داخل هذه الدائرة الجديدة، يعيش سام أولى اختبارات الصداقة، أول خيبات الحب، وأولى المواجهات مع حقيقة أن الآخرين قد ينغلقون على بعضهم ويتركونه على الهامش. ويظل طيف أمه حاضرًا في كل مشهد تقريبًا، فمرضها ثم رحيلها يشكلان خلفية دائمة، مثل ظلّ لا يفارق خطواته. أما الأب، فهو رجل عاطل منذ إغلاق المصنع، يمضي وقته في البحث عن عمل أو في صمت مطبق، جدار يحول بينه وبين ابنه. هذا الصمت القاسي يجعل سام يشعر أنه غريب في بيتٍ لم يعد يضم سوى ذكريات الأم الراحلة.

تظهر على الهامش شخصيات أخرى تؤكد أجواء البلدة الصغيرة: إيدي طومسون الذي يلمحه سام ذات مرة وهو يقبّل كريستي، فيصاب بجرح الغيرة لأول مرة. وهناك أيضًا السيدة ريكس التي يشتري منها كعكة التوت، فتتحول هذه التفاصيل اليومية إلى جزء من نسيج الذكريات. أما في المدرسة، فيطلّ المفتش باركر الملقب من التلاميذ بـ"كولومبو" بعينيه الزجاجيتين وبدلاته الغريبة، ليعيد إنتاج سلطة التعليم والصرامة، خصوصًا حين يطلب من طلابه كتابة مقالات عن كتاب "الأرض الصلبة" للشاعر ويليام موريس، النص الذي سيصير بدوره مرآة لتجربة سام الشخصية.

كل شخصية في الرواية تؤدي دورها في رسم صورة الصيف الذي يغيّر حياة سام: الأم التي تجسد الفقد، الأب الذي يضاعف الشعور بالعزلة، الأخت البعيدة التي تبقى ذكرى، أصدقاء السينما الذين يفتحون نوافذ على الحرية والخذلان في الوقت نفسه، والمعلم الذي يذكّر بأن العالم أوسع من حدود البلدة الصغيرة. ومن خلالهم جميعًا يتشكل وعي سام، الذي ينتهي به الأمر إلى إدراك أن العبور من الطفولة إلى النضج ليس رحلة سهلة، وإنما صراع بين الوحدة والانتماء، بين الحب والفقد، وبين الأرض الصلبة التي تحاول أن تثبت أقدامه وبين هشاشة القلب الذي يرفض أن يتوقف عن الحلم.

رواية 'الأرض الصلبة'
رواية تنفتح منذ الصفحات الأولى على ذلك العالم المعلق بين الطفولة والمراهقة

مقتطف من الرواية

في هذا الصيف وقعتُ في الحب، وتُوفِّيت أمي.

مرَّ الآن ما يزيد على العام، إلا أنه سيظل بالنسبة لي الصيف الذي لا يُنسى. من الغريب أنني أفكر كثيرًا في الأمر، كيف وقفتُ هناك خلف المنزل فيما أروي الحديقة بخرطوم المياه، كنا في بداية الإجازة الصيفية، ولم يبلغ الملل أقصاه، فقط لاح من بعيد.

حدَّقتُ إلى الحقول البعيدة، كان الهواء ساكنًا، ونظرت إلى الطبيعة الخلابة طويلًا، فبدت أكثر ضبابية، وشعرت بالخوف نفسه الذي عرفتُه في طفولتي؛ فستنقلب الأحداث فجأة رأسًا على عقب، ويحدث شيء سيئ. ولكن -كما هو الحال دائمًا- خدعني هذا الشعور، حيث إنه -مرة أخرى- لم يحدث شيء، إلى أن استدعاني والداي إلى غرفة المعيشة.

****

في أثناء تلك العطلة طرأت العديد من التغيرات على بعض الأشياء بين عشية وضحاها، عندما نُفاجأ أننا بدأنا نكبر، تملَّكتني -في بعض الأحيان- نوباتُ غضب غريبة تأتيني من العدم، فيما أطرح على نفسي أسئلة لم تخطر على بالي من قبل. على سبيل المثال، لماذا يحرص كثيرٌ من البالغين على العمل والإنجاب، في حين أن الموت يأتي -في النهاية- ليجعل كل هذا هباءً منثورًا؟ وهل كانت أمي سعيدة في حياتها مع أبي على النحو الذي عاشا به معًا؟

على أي حال، كان كلاهما يجلس على أريكة غرفة المعيشة، وأبلغاني أن لديهما أخبارًا سارَّة لي.

قالت أمي:

- لقد تحدَّثنا إلى الخالة "آيلين"، يمكنك أن تذهب إليهم في زيارة لعدة أسابيع. وقد أكَّدَت أن هذا سيسُر "جيمي" و"داوج" كثيرًا.

بذلت قصارى جهدي حتى أتحكَّم في تنفسي، فـ"جيمي" و"داوج" هما ابنا خالتي من "كانساس"، كان وزنهما معًا يقترب من وزن حصان، وقد سببا لي بعض الإصابات في زيارتي الأخيرة لهما، حيث اضطررتُ إلى الاختباء داخل صندوق النفايات لأتجنَّبهما، وقضيت اليوم بأكمله ألقي الحجارة على لافتة صَدِئَة.

- لا يمكنكما أن تفعلا هذا بي. أنا أتحدث بكل جدية الآن، لن أذهب إلى هناك مرة أخرى.

ردَّ أبي بحزمه المعهود قائلًا:

- بل ستذهب، سيكون هذا جيدًا لك، إذ بقيتَ وحيدًا في غرفتك طوال الأيام الماضية. فعليك أن تخرج وتختلط بالآخرين.

وقالت أمي:

- عزيزي، أنا أعرف، كم أن وضعي صعب لك! ولكن لهذا السبب تحديدًا، عليك ألَّا تظل وحيدًا. ربما تتمكن من تكوين صداقات جديدة في "ويتشيتا".

إذًا كان هذا هو الموضوع الأساسي، حيث إن مسألة الأصدقاء هذه كانت شغلهما الشاغل خلال الأشهر الماضية.

أوشكت أن أصبح في السادسة عشرة من عمري، وما زالا يعاملانني كطفلٍ صغير. حدقت إليهما قائلًا:

- كان "ستيف" صديقي! لو أنه هنا الآن، لما اضطررنا إلى خوض هذا النقاش الغبي من الأساس.

تقدَّمت أمي نحوي بخطواتها التي تُحدث صريرًا، وعلى الرغم من الوهن البادي عليها، فإنها ضمَّتني إليها بقوة، ولوهلة لاح شيء أكثر جدية في هذا النقاش، إلا أنني لم أُرِد رؤية ذلك في حينها.

قلت وأنا أنظر نظرة يكتسيها أقصى درجات الحزن:

- لا أريد الذهاب إلى الخالة "آيلين".

 كانت هذه هي فرصتي الأخيرة للتملص من هذا الأمر، ولكن لم يُجدِ هذا شيئًا مع أمي التي قالت:

- آسفة يا حبيبي، عليك أن تتحمل هذا.

تخيَّلت برنامج عطلتي في "كانساس". في أثناء النهار: متعة وإثارة في مقلب النفايات، وفي المساء:أفضل حركات المصارعة مع "جيمي" و"داوج".

حسنًا، لقد حان وقت الشرح لوالديّ بطريقة واقعية لماذا لستُ أهلًا لخوض هذا الأمر مرة أخرى، سأقنعهما بحججي القوية، وبعد ذلك سيعرفان إلى الأبد أنني كبرت بالقدر الذي يجعلني أفعل ما يحلو لي من الآن فصاعدًا.

صرختُ وصعدتُ إلى الطابق العلوي: - افعلا ما تريدان بي!

****

بعد ظهر ذلك اليوم، أخرجتُ رأسي من الغرفة وتنصَّت؛ لقد عادت أمي إلى متجر بيع الكتب الخاص بها. وكما هو الحال دائمًا عندما لا تكون موجودة، تتغيَّر أجواء المنزل. شعرت بوجوده فورًا، كان لا يزال هناك. كان هناك نوعان من الصمت؛ النوع المحايد، ثم صمت أبي، صمت مغلف أسمعه حتى وأنا بالأعلى هنا، تسلَّلت إلى الأسفل. جلس أبي بلا حراك أمام شاشة التليفزيون بغرفة المعيشة، كان يشاهد إعادة لمسلسل "كبش الفداء" (The Fall man) جعل الصوت فعلًا على الوضع الصامت. لم نكن قريبين للغاية من قبل من بعضنا بعضًا، وفي هذا العام لم نتحدَّث إطلاقًا، لم أعرف هل كان هذا بسبب مرض أمي، أم أنه لم يتمكَّن من العثور على وظيفة، أم لأنه -ببساطة- لم ينسجم معي. كل ما عرفته هو أنني لن أتمكَّن من قضاء أحد عشر أسبوعًا من الإجازة معه في المنزل.

جُبتُ المنطقة كلها وحدي حتى حلَّ المساء. ونظرًا إلى أنني لم أملك المال، ذهبت إلى "ربلاي أركاد"، وهو الركن الخاص بألعاب الفيديو في المركز التجاري، وددتُ معرفة هل كسر شخص ما الرقم القياسي في لعبة "المُدافع"، كدتُ أجرؤ على الذهاب إلى "لاري" لأول مرة، حتى رأيت "تشاك بانيستر" من خلال النافذة. "لاري" هي منشأة في "جرادي"، وهو المكان الذي يرتاده جميع الشبان الأكبر سنًّا، إلا أنه كان هناك عدد قليل من القوانين الشفهية خاصة بارتياد هذا المكان. فعلى سبيل المثال، وأنت في سن الخامسة عشرة غير مسموح لك أن تكون هناك، وبالتأكيد لن تدخل إلى هناك، ما دام هناك مريض نفسي مثل "تشاك بانيستر" بالداخل.

وبدلًا من الدخول إلى هناك، جلست مستندًا إلى حافة الحائط، وراقبت السيارات المارة لفترة من الوقت. فجأة عادت إلى ناظريَّ صوري مع أمي، آنذاك، كنتُ أفكر في الأمر طوال الوقت، في أكثر اللحظات صعوبة حينما تطرأ عليّ تلك الأفكار، حدث ذلك، كأنه طنين مخيف في رأسي، أحيانًا كنت أسمع أصواتًا عالية، لكنها ليست عالية بما يكفي لتُسكت أفكاري.

في طريق عودتي إلى المنزل، مررتُ بدار السينما الوحيدة ببلدتنا؛ الـ"متروبوليس"، في "هادسونفيل" المجاورة، والمعروفة بسجنها الضخم، كان هناك مجمع سينمات يعرض جميع الأفلام الجديدة الأكثر رواجًا، إلا أن دار السينما لدينا كانت كوخًا قديمًا للمتقاعدين، وكان من المفترض أن تغلق أبوابها في نهاية العام، كانت هناك لافتة معلقة في لوحة الإعلانات بالسينما منذ أسابيع:

"متروبوليس"

وظائف خالية

وبجانبها ملصق لفيلم فرنسي بالأبيض والأسود؛ لا عجب في العزم على إغلاق السينما قريبًا.