اليوم العربي لمحو الأمية: أمة اقرأ لم تعد قادرة على قراءة الاحداث الكبرى ومواكبة التحولات الجدرية في العالم
في الثامن من يناير/كانون الثاني من كل عام، يحتفل العالم العربي باليوم العربي لمحو الأمية، الذي يمثل مناسبة للتأمل في قضية الأمية كمعوق أساسي أمام التقدم الاجتماعي والثقافي. هذا اليوم، الذي أقرته جامعة الدول العربية في عام 1970، يأتي كتذكير بضرورة توحيد الجهود العربية للقضاء على الأمية، مستلهماً من الرسالة القرآنية الأولى "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، التي جعلت من الأمة العربية أمة تعتمد على المعرفة والقراءة كأساس للنهضة. ومع ذلك، في عصرنا الحالي، يطرح هذا اليوم سؤالاً إشكالياً عميقاً: كيف أصبحت أمة "اقرأ" غير قادرة على قراءة الأحداث الكبرى التي تشكل العالم، ومواكبة التحولات الجذرية في مجالات السياسة، الاقتصاد، التكنولوجيا، والثقافة؟ هذه الدراسة تستعرض هذا التناقض من منظور أكاديمي، مستندة إلى تحليل تاريخي واجتماعي، لتكشف عن الأسباب العميقة لهذا التراجع وتداعياته على الهوية العربية والمستقبل الجماعي. سنناقش الخلفية التاريخية لليوم، ثم نستعرض التحديات المعاصرة، مع التركيز على كيفية تحول "القراءة" من فعل معرفي إلى رمز للعجز أمام التحولات العالمية.
الخلفية التاريخية لليوم العربي لمحو الأمية
يعود إقرار اليوم العربي لمحو الأمية إلى قرار صادر عن جامعة الدول العربية في عام 1970، بالتزامن مع إنشاء الجهاز العربي الدائم لمحو الأمية، الذي تحول لاحقاً إلى جزء من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). كان الهدف الأساسي من هذا اليوم تعزيز الوعي بأهمية محو الأمية كأداة للتنمية الشاملة، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية التي واجهتها الدول العربية بعد استقلالها، مثل الفقر، التفاوت الاجتماعي، والحاجة إلى بناء مجتمعات مثقفة قادرة على المشاركة في العصر الحديث. في ذلك الوقت، كانت معدلات الأمية مرتفعة في العديد من الدول العربية، تصل إلى أكثر من 70 بالمئة في بعض المناطق، مما جعل محوها أولوية قومية ترتبط بالهوية العربية الإسلامية، التي تبدأ بأمر إلهي بالقراءة.
على مدار العقود، تحول هذا اليوم إلى منصة للدعوة إلى برامج تعليمية مشتركة، مثل حملات التعليم الأساسي والتعليم المستمر، وارتبط بأهداف التنمية المستدامة العالمية. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، أصبح الاحتفال بهذا اليوم يعكس تناقضاً صارخاً: فبينما يحتفل العالم العربي بـ"اقرأ" كرمز للمعرفة، إلا أن الواقع يشير إلى تراجع في القدرة على "قراءة" الواقع بمعناه الواسع. هذا التراجع ليس مجرد إحصائي – رغم أن معدلات الأمية لا تزال تتجاوز 20% في بعض الدول – بل هو تراجع معرفي وثقافي يمنع الأمة من فهم التحولات الجذرية، مثل الثورة الرقمية، التغيرات المناخية، والصراعات الجيوسياسية.
أسباب عدم القدرة على قراءة الأحداث الكبرى
يتمثل التناقض الأساسي في أن أمة "اقرأ"، التي كانت رائدة في العلوم والمعارف خلال العصور الوسطى، أصبحت اليوم غير قادرة على قراءة الأحداث الكبرى التي تشكل العالم. أحد الأسباب الرئيسية هو التراجع في جودة التعليم العربي، الذي يركز على الحفظ بدلاً من التحليل النقدي. في ظل أنظمة تعليمية تعاني من نقص التمويل والتدريب، أصبح الشباب العربي غير مجهز لفهم التعقيدات السياسية، مثل الصراعات في الشرق الأوسط أو التحولات في الاقتصاد العالمي. هذا التراجع يعزز من ظاهرة "الأمية الوظيفية"، حيث يمكن للفرد القراءة حرفياً لكنه غير قادر على تفسير السياقات الاجتماعية أو الاقتصادية.
كما أن التحولات الإعلامية ساهمت في هذا العجز. مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت "القراءة" سطحية، مقتصرة على عناوين سريعة دون عمق، مما يجعل الأمة غير قادرة على مواكبة الأحداث الكبرى مثل الثورات الرقمية أو النزاعات الدولية. على سبيل المثال، في ظل الصراعات الإقليمية، يغلب النظر العاطفي على التحليل العلمي، مما يعيق القدرة على التنبؤ بالتحولات الجذرية مثل انتقال الطاقة إلى المصادر المتجددة أو تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. هذا الواقع يعكس فقداناً للروح النقدية التي ميزت العصر الذهبي العربي، حيث كانت "اقرأ" دعوة للاستكشاف والابتكار.
علاوة على ذلك، تلعب العوامل السياسية دوراً حاسماً. في العديد من الدول العربية، يتم قمع الحريات الفكرية، مما يحد من القدرة على "قراءة" الأحداث بحرية. الرقابة على الإعلام والتعليم تحول "اقرأ" إلى شعار فارغ، بينما تستمر التحولات العالمية في التقدم دون مشاركة عربية فاعلة. هذا يؤدي إلى عزلة معرفية، حيث تفقد الأمة قدرتها على مواكبة التحولات الجذرية مثل العولمة الرقمية أو التحديات البيئية، مما يعزز من التبعية للقوى الخارجية.
تحليل التداعيات على المستقبل العربي
تداعيات هذا العجز تتجاوز المجال التعليمي لتشمل التنمية الشاملة. عدم القدرة على قراءة الأحداث الكبرى يؤدي إلى تفاقم الفقر والتفاوت الاجتماعي، حيث يصبح الشباب غير قادر على المنافسة في اقتصاد المعرفة. في عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث يسيطر الذكاء الاصطناعي والابتكار، تظل الأمة العربية متأخرة، مما يعيق النهضة المنشودة. كما أن هذا التراجع يضعف الهوية الثقافية، فـ"اقرأ" التي كانت رمزاً للقوة أصبحت تذكيراً بالضعف، مما يولد إحباطاً جماعياً يعزز من الهجرة والتطرف. من ناحية أخرى، يمكن لليوم العربي لمحو الأمية أن يكون نقطة تحول إذا تم إعادة صياغته كدعوة لمحو الأمية المعاصرة، بما في ذلك الأمية الرقمية والسياسية. من خلال برامج تعليمية حديثة تركز على المهارات النقدية والرقمية، يمكن استعادة القدرة على مواكبة التحولات الجذرية، مثل الانتقال إلى اقتصاد أخضر أو مواجهة التحديات الجيوسياسية.
خاتمة
يمثل اليوم العربي لمحو الأمية مناسبة للتأمل في مصير أمة "اقرأ" التي فقدت قدرتها على قراءة الأحداث الكبرى ومواكبة التحولات الجذرية في العالم. هذا التناقض ليس مصادفة، بل نتيجة لتراكمات تاريخية وسياسية أدت إلى تراجع معرفي يهدد التنمية والاستقلال. ومع ذلك، يبقى الأمل في إعادة اكتشاف "اقرأ" كدعوة للعمل، من خلال إصلاحات تعليمية جذرية تعيد للأمة قدرتها على فهم العالم وتشكيله. هل سيكون هذا اليوم بداية ليقظة جديدة، أم مجرد تذكير بماضٍ مجيد؟ الإجابة تكمن في الإرادة الجماعية لاستعادة المعرفة كأداة للتقدم.
كاتب فلسفي