الإختناق الفكري بين السلوك العدمي والنظرة الشمولية
قبل الانتخابات البرلمانية الاتحادية الأخيرة في العراق تناولنا مراتٍ عدة العملية الانتخابية وتداعياتها الفوضوية على كل المستويات. وحذّرنا من استعمال الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة "المال الزبائني" الذي انصبّ لشراء أصوات الطبقة "الضالة" التي لا تملك لقمة العيش، بهدف منع المعارضين للنظام السياسي من الوصول إلى قبة البرلمان بأي ثمن.
ودعونا القوى والأحزاب الوطنية والمستقلة إلى عدم المشاركة في الانتخابات لعدم جدواها وشرعيتها، وأيضًا إلى وجوب مقاطعتها من حيث ممارسة حقها القانوني والدستوري على المستويين الوطني والدولي. فإن تحققت المقاطعة على المستوى الشعبي، ستجعل مثل هذه الممارسة الانتخابية من الناحية السياسية باطلة دستوريًا وقانونيًا، وهو ما كان متوقعًا مسبقًا حسب استطلاعات رأي المحللين والخبراء والمتخصصين في علم الاجتماع والإدارة السياسية.
عندئذٍ يكون القيام بنقض نتائجها أمام المحافل الدولية المعنية ممكنًا لعدم توافر الشرعية المجتمعية. مثال ذلك "تشيلي"، حينما ضغطت الأمم المتحدة نتيجة الحملة العالمية ضد نظام "بينوشيه" الفاشي عام 1988، بعد 16 سنة على حكمه، لإجراء انتخابات نزيهة بإشراف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، فسقط النظام وتمت محاكمته.
في العراق، كان الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية يشير إلى الرأي نفسه، بيد أن هناك من كان يصعب عليه الفصل بين المواقف السياسية المنسجمة مع مصالح الأغلبية الرافضة للنظام الطائفي، والمراهنة على حسابات شكلية غير مضمونة لم ترتقِ إلى مستوى التحدي الذي تمثله أحزاب السلطة وأدواتها المتعددة المظاهر والأساليب.
جاءت النتائج مخيبة، كما كانت غير متوقعة للكثير ممن راهنوا، إذ إن نسبة المشاركة في عموم العراق تجاوزت الـ50 في المئة لصالح الطبقة الحاكمة، مما جعل الجميع يلتقطون أنفاسهم أمام مأزق سطوة المال مقابل معضلة اللامبالاة التي تشكلها الأغلبية الصامتة. فكانت حصيلة تلك التكتيكات والمواقف الديماغوجية لتحقيق مكاسب سياسية شكلية، بدلًا من التركيز على الحلول، تفاقم الصراع السياسي على رئاسة الحكومة، وانهيار كامل للدولة ومؤسساتها، ونشوء أحداث أليمة ومظاهر غضب عامة في ساحات التظاهر.
بمشاركتها في الانتخابات، وهي تعلم بأن أربع ركائز مفصلية لضمان نزاهة الانتخابات ومصداقيتها لم تتوافر، إذ لا يوجد قانون أحزاب ينظم أحكامها، ولا قانون انتخابات منصف، فيما المفوضية العليا للانتخابات غير نزيهة، والدستور يشوبه الكثير من الألغام، انحرف العديد من الأحزاب والمنظمات المدنية التقليدية والتيارات السياسية "ديمقراطيين وشيوعيين ومستقلين" عن مسار نضالها الجمعي ضد الطغمة المتسلطة، رغم كل النصائح التي أتت حتى من داخل صفوفها.
ولم تستوعب خطر المضي مع فئة بربرية تمسك بالمال والسلاح والميليشيات والسلطة على مستقبلها السياسي. بيد أنهم فضّلوا المشاركة لأجل حفنة مكاسب رمزية أودت بسمعتهم وتاريخهم السياسي داخل المجتمع العراقي، ولا سيما بين الشباب الذين علّمتهم الأزمات والمعاناة على يد طغمة فاسدة على مدى عقدين ونيف فن السياسة والنضج الفكري. حيث أفضى سلوكهم العدمي، بالمعنى السياسي، إلى نوع من "الاختناق الفكري" الذي يقود إلى عدم التطابق بين مفهوم طبيعة الصراع والظروف التي تعاني منها الطبقات المجتمعية المسحوقة، وأيضًا بين الشروط "الموضوعية" التي لا تعني "التجرد" بقدر ما تعني، عمليًا ونظريًا، النظرة الشمولية، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي ريموند آرون Raymond Aron، وبذلك ارتكبوا خطأً فادحًا يضاف إلى الأخطاء السابقة.
يسأل البعض: لماذا الإصرار على مقاطعة الانتخابات؟ نقول باختصار: الأغلبية من الطبقة الصامتة المسحوقة في بلدنا ليس لها وطن. فماذا تعني لهم الانتخابات وهم لا يحسون بتلك "الرعاية الأبوية"، ولا حتى بتفاصيل عضوية الناس والأشياء والكائنات الحية والتجريدات التي تقوم، بمرور الوقت، على صياغة الشعور بـ"الانتماء والهوية" إلى غاية تشمل "الوطن" حتى يصبح مجسدًا؟ ويفترض أن يكون للوطن دستور يحمي حقوق أبناء المجتمع ويضمن مستقبلهم، وكبقية الأمم يكون له علم ونشيد وطني وأحزاب سياسية نزيهة حريصة على بناء البلد وتطوره وضمان أمن المواطن واستقراره.
من هنا، فإن المقاطعة كانت، بعد كل هذه التجارب الانتخابية ووجود طغمة تعودت التزوير والكذب والتسويف والمماطلة، تشكل انعطافًا سياسيًا مهمًا يسقط حالة الشعور بـ"الاغتراب" في الوطن، وولادة ثقافة مجتمعية جديدة تنسجم مع رغبة المواطنين ونظرتهم لمستقبل بلادهم.
منذ بدء حراكهم الثوري في أكتوبر 2019، رفع آلاف المتظاهرين شعارات تندد بنظام الحكم وتدين انتهاكات السلطة وتمردها على المجتمع، لكن واحدًا منها، "نريد وطنًا"، أصبح أيقونة التظاهر في جميع الساحات. أفرز سياقات استراتيجية وطنية قيمية جامعة، ووجّه الصراع لانتزاع الوطن من الانهيار الكامل وإعادته إلى حيث يكون الشعب من جديد. إن إصرار المتظاهرين في عموم البلاد على أن يكون شعار "نريد وطنًا" شعارا مركزيًا حقق أمرين أساسيين: تعاطف الجماهير ورفع معنوياتها لإنهاء هيمنة الأحزاب على الدولة والمجتمع، وكسر حاجز الخوف وجدار الصمت. والأمر الآخر خلق حالة من الوعي والشعور بالمسؤولية لدى الجماهير لمواجهة الأزمات السياسية والتراكمات الفكرية والفئوية التي ضختها المنظومة السياسية المافيوية داخل المجتمع، واتسمت بتحويل التناقضات من إطارها الضيق إلى مظاهر وأساليب أكثر دلالة ورمزية، وتتفاعل فكريًا وسلوكيًا مع الواقع بعقلانية تنسجم فلسفيًا وماديًا مع طبيعة المجتمع وطموحاته.
ومن جانب آخر، أعاد شعار "نريد وطنًا" إنتاج الذات للفرد العراقي، وجعل المقاربة لديه بين مفهوم "الدولة" و"الوطن" حاضرة بوصفهما حاضنتين لكل الهويات بين كل الأوساط والطوائف والأجيال العراقية، بدل الهرولة وراء طموحات رمادية غير قابلة للتحقيق دون نهاية نظام القمع والاستبداد الطائفي.