الحكومة المصرية ظالمة أم مظلومة في ضريبة الهاتف المحمول

المشكلة تكمن في عدم قدرة الحكومة على صياغة قوانين شاملة ووجود ثغرات يستثمرها بعض التجار للإفلات من العقاب المادي وعدم دفع ضريبة مستحقة على تجارتهم.

القاهرة- فجّر فرض الحكومة المصرية ضريبة على كل صاحب هاتف محمول يدخل البلاد، مواطنا أم سائحا، بدءا من الأربعاء 21 يناير/كانون الثاني، ضجة كبيرة في أوساط شريحة من المصريين المقيمين في الخارج. وتشمل الضريبة كل صاحب هاتف، سواء أكان مواطنا أم سائحا، يتجاوز استخدامه ثلاثة أشهر في مصر، كفترة إعفاء وحيدة حاليا.

قامت وزارة الاتصالات، ومعها هيئتي الضرائب والجمارك، بتصحيح أخطاء حدثت في قانون المحمول الذي أصدرته من قبل، حيث سمحت لكل مواطن قادم من الخارج بالإعفاء الضريبي لهاتف واحد فقط، وعندما وجدت زيادة في عمليات التهريب للقادمين من الخارج وسوء استخدام للاستثناء عدلت القانون لسد ثغراته.

أثار دخول الضريبة حيز التنفيذ، يوم الأربعاء، ردود فعل كبيرة في أوساط شريحة من المصريين ظُلموا بموجب تطبيق هذا القانون، وشريحة من التجار قامت تجارتهم على عمليات تهريب المحمول من الخارج وحققوا مكاسب كبيرة منها.

لدى الحكومة مبررات منطقية لفرض الضريبة الجديدة، إذ تريد توسيع العمل بنظام الحوكمة، وتشجيع الشركات المحلية والأجنبية التي تسعى إلى تصنيع المحمول في مصر، وأعلنت دخول 15 شركة هذا المجال مؤخرا، أنتجت خلال العام المنصرم نحو 15 مليون هاتف محمول من ماركات مختلفة، سوف تزداد في العام الجاري إلى 20 مليون، وهو رقم يفوق حجم الاستهلاك الفعلي.

 كما أن 95 في المئة من تجارة الآي فون تأتي عن طريق التهريب، وكبدت الدولة خسائر بمليارات الجنيهات، لأنه لا يتم دفع ضرائب عليها. ويجد هذا الجهاز اقبالا في مصر، دون سؤال عن طريقة دخوله البلاد، حتى ذاع صيت الضريبة الجديدة.

احتلت الضريبة المفروضة على الهاتف المحمول مساحة كبيرة من الجدل في مصر خلال العامين الماضيين. فعندما بدأت الحكومة التفكير في تطبيقها منحت فترة سماح نحو ستة أشهر في النصف الثاني من عام 2024، انتهت في يناير 2025.

وقبل انتهاء فترة السماح أو الاعفاء بيوم واحد، أقرت الحكومة أن بعض التجار قاموا بتشغيل نحو مليون هاتف محمول في لحظة واحدة تقريبا عبر شرائح خاصة بهم. وعندما وجدت أن عددا كبيرا منها لم يتم استخدامه فرضت ضريبة على كل هاتف لا يستخدم بشكل منتظم، لمحاصرة المهربين من التجار وقطع الطريق على خداعهم.

تبدو الحكومة المصرية ظالمة ومظلومة أيضا في طريقة التعامل مع ضريبة الهاتف المحمول. ظالمة، لأنها ساوت بين جميع المواطنينن وبينهم بالطبع الشرفاء، وفرضت عليهم ضرائب تقدر بنحو 38 في المئة من قيمة الهاتف، وهي نسبة مبالغ فيها، تؤدي إلى رفع السعر بما يفوق كثيرا قيمته في بلد المنشأ. وحرمت أي مصري يعود نهائيا إلى بلده ويستقر فيه من الاحتفاظ بهاتفه بلا ضريبة. وتركت غصة في حلق نحو 17 مليون مواطن يقيمون في الخارج، يقومون بتحويل 35 مليار دولار لذويهم بمصر.

ومظلومة، لأنها تريد تشجيع الصناعة المحلية، وجذب شركات عالمية لتوطين صناعة الهاتف المحمول. ولا تريد أن يلجأ بعض التجار إلى التحايل لتهريب المحمول إلى داخل البلاد، فبعضهم لجأ إلى حيلة ذكية من خلال توظيف أعداد من المعتمرين، إذ يقوم مندوب عن التاجر باقناع المعتمر بإدخال هاتف لمصر من خلال تسجيله على جواز سفره للحصول على اعفاء جمركي، ومقابل هذه الخدمة يتقاضى نحو خمسمائة دولار، تمثل هامشا مما سيربحه التاجر من كل هاتف يدخل البلاد بهذه الطريقة.

تكمن المشكلة في عدم قدرة الحكومة على صياغة قوانين شاملة، ووجود ثغرات يستثمرها بعض التجار للافلات من العقاب المادي وعدم دفع ضريبة مستحقة على تجارتهم. وفي كل مرة تحاول سد ثغرة تظهر أخرى، لذلك فالضريبة الجديدة لن تجدي نفعا لتحقيق أهدافها، لأنه يصعب غلق باب التهريب تماما، وقد لا تستفيد جيدا من توطين الهاتف المحمول التي تريدها الحكومة وتشجيع المستثمرين على دخول هذا السوق.

يقول خبراء في سوق الهاتف المحمول إن الخطوة الحكومية تؤدي إلى انتعاش سوق الهاتف المستعمل، وتقويض عمليات شراء الفون الجديد، بالتالي فرض قيود تجارية على حركة السوق، وتقليل الاستفادة الرسمية من تصنيع المحمول محليا. وهو اتجاه يخلق مأزقا مضاعفا أمام الحكومة.

لن تستطيع فرض ضريبة مركبة على الهاتف المستعمل، أو تتمكن من تطويق تجارته، بعد أن اختارت طريقة صدامية وراعت مصالح المصنعين وغضت الطرف عن مصالح قطاع من التجار لهم أساليبهم في التأثير على سوق المحمول، ويملكون قدرة عجيبة على مضايقة حكومة بدت إجراءاتها في صالح فئة ضئيلة من رجال الأعمال.  

تؤكد المؤشرات الحالية أن المستهدف من الضريبة والمقصود من تضييق الخناق عليه هو جهاز الآي فون، والذي لا يتم استيراده من الخارج، ويتعرض المستوردون لخسارة فادحة بسبب عمليات التهريب التي تؤثر على تجارتهم، وأدت إلى وجود فرق كبير في الأسعار، بين من يعملون بصورة قانونية، وبين من يلجأون للتحايل للحصول على اعفاءات ضريبية غير رسمية.

يصعب أن تحصل الحكومة المصرية على نتائج إيجابية لخطواتها، لأنها أصبحت في نظر المواطنين ظالمة فقط، حيث تستهل اللجوء إلى فرض الضرائب على كثير من السلع والخدمات، وأصبح لفظ "الجباية" متداول على نطاق واسع، كعلامة على أن الحكومة لا تتورع عن الحصول على الأموال من جيوب مواطنين بأي وسيلة، لا تنعكس بصورة كبيرة على ما تقدمه الحكومة من خدمات عامة.

وفي الفترة القليلة الماضية، قامت الحكومة برفع الدعم عن المحروقات وغالبية السلع الأساسية، وزادت أسعار الكهرباء والمواصلات والهاتف وكافة الخدمات، بما أرهق كاهل فئة كبيرة من المواطنين وجعلهم لا يثقون في أي خطوات ضريبية أو غير ضريبية تقوم بها، وباتت متهمة على الدوام.

لم تنتبه الحكومة إلى هذه المسألة وتداعياتها، وتقوم بشرح خطواتها بالتفصيل وتحديد أهدافها والمردودات التي سوف تنعكس على حياة المواطن. وتركت الأمر للاجتهادات والتكهنات والتخمينات والشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أفضى إلى التشكيك في أي خطوة تقوم بها وقصر وظيفتها على جمع الأموال.

وتسبب النظام البيروقراطي الحكومي في ظهور تعقيدات، أفقدت بعض المواطنين ثقتهم في توجهات الحكومة وطالبوا بإقالة رئيسها وتغيير طاقمها، وتعيين أخرى أكثر دراية بأمراض الاقتصاد في مصر ومحاولة معالجته سريعا.