الإطار التنسيقي عالق في متاهة النفوذ والمصالح

المشهد يزداد تعقيداً مع تأكيد قيادات في الإطار أن المفاوضات وصلت إلى طريق "شبه مسدود"، بسبب اعتراضات داخلية على بعض الأسماء.

بغداد - يبدو الإطار التنسيقي الذي يضم القوى السياسية الشيعية في العراق، عالقا في متاهة سياسية جديدة وهو يحاول فك عقدة اختيار رئيس مجلس الوزراء المقبل، فعلى الرغم من الاجتماعات المتكررة والحوارات المعلنة، تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة أبعد من كونها خلافاً تقنياً حول الأسماء، لتتحول إلى صراع نفوذ ومصالح داخل البيت الشيعي نفسه، تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الاعتبارات الإقليمية والدولية.

ويعكس الإعلان عن عقد اجتماع مغلق للإطار التنسيقي، بعيداً عن اجتماعه الدوري، وبغياب جميع المرشحين لمنصب رئاسة الحكومة، بوضوح حالة الإرباك التي يعيشها التحالف، فالاجتماع، وفق ما كشفه قيادي في منظمة بدر، خُصص لمناقشة آليات اختيار "الشخصية الأنسب" لقيادة الحكومة المقبلة، وجرى خلاله تداول خمسة أسماء محتملة، من بينها رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورؤساء وزراء سابقون، إضافة إلى مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي.

ويحمل هذا الاجتماع، بحد ذاته، دلالات سياسية مهمة، فغياب المرشحين عن طاولة النقاش لا يشير فقط إلى رغبة الإطار في إجراء تقييم هادئ بعيداً عن الضغوط، بل يكشف أيضاً عن عمق الانقسام الداخلي وعدم قدرة القوى الشيعية على الجلوس مع مرشحيها ومناقشة الخيارات بشكل مباشر وهو ما يعكس فقدان الثقة المتبادلة ومحاولة كل طرف تحصين موقعه قبل الدخول في أي تسوية.

والأكثر دلالة هو تداول خمسة أسماء دفعة واحدة، من دون حسم أو ترجيح واضح لأي منها. ولا يعكس هذا التعدد وفرة خيارات بقدر ما يفضح غياب التوافق، إذ إن كثرة الأسماء غالباً ما تكون مؤشراً على أزمة، لا على حل، فالإطار التنسيقي، الذي كان يفترض به أن يشكل مظلة جامعة للقوى الشيعية، يبدو اليوم عاجزا عن إنتاج مرشح توافقي يحظى بإجماع داخلي، ناهيك عن القبول الخارجي.

ويزداد المشهد تعقيداً مع تأكيد قيادات في الإطار أن المفاوضات وصلت إلى طريق "شبه مسدود"، بسبب اعتراضات داخلية على بعض الأسماء، وفي مقدمتها تجديد الولاية لرئيس الوزراء الحالي، فاعتراض كتل وازنة داخل الإطار، مثل ائتلاف دولة القانون والمجلس الأعلى، على بقاء محمد شياع السوداني، يوضح أن الخلاف لا يتعلق بأداء الحكومة فقط، بل بموقعها في ميزان القوى داخل البيت الشيعي، ومن يملك قرارها واتجاهاتها.

ويبرز عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو البعد الخارجي للأزمة، فالإقرار الصريح بأن حسم منصب رئيس الوزراء لا يمكن أن يتم من دون موافقة أميركية يعكس حجم التعقيد الذي يواجهه الإطار التنسيقي. فالقوى الشيعية تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين مصالحها الداخلية ومتطلبات القبول الدولي والإقليمي، في وقت تعيش فيه البلاد حالة انسداد سياسي حاد.

وهنا تكتسب مسألة تغييب المرشحين الخمسة عن الاجتماع المغلق دلالة إضافية، فهذا الغياب لا يعني فقط أن الأسماء لا تزال قيد التداول، بل يشير إلى أن الإطار لم يصل بعد إلى مرحلة اتخاذ القرار، وأنه يحاول إدارة الصراع داخلياً قبل فتحه على المرشحين أنفسهم. كما أن عدم الإعلان عن "المرشح الأبرز"، رغم تأكيد أن جميع القوى تعرف هويته، يوحي بوجود توافق ضمني غير مكتمل، أو اتفاق مؤجل بانتظار تهيئة الظروف السياسية المناسبة.

ويبدو الإطار التنسيقي كذلك وكأنه يدور في حلقة مفرغة، ينتقل من متاهة إلى أخرى بحثا عن مخرج لأزمة رئاسة الحكومة. فكلما اقترب من اسم معين، اصطدم بحسابات النفوذ، أو اعتراضات داخلية، أو اشتراطات خارجية، تعيده إلى نقطة البداية. وبينما يؤكد الإطار في مواقفه الرسمية استمرار الحوارات والنقاشات، فإن الواقع يشير إلى أن عقدة رئاسة الحكومة باتت مرآة لصراع أعمق داخل البيت الشيعي، صراع لم يُحسم بعد، وقد يستمر ما لم يتم التوصل إلى تسوية توازن بين المصالح المتضاربة وتفرض مرشحاً قادراً على عبور هذا الحقل الملغوم داخلياً وخارجياً.