الإمارات تحلّق بالمستقبل عبر ثورة في الطيران ونموذج تنموي عالمي

قطاع الطيران سجل سلسلة من الإنجازات النوعية التي عكست قدرة الإمارات على الانتقال من مرحلة التكيف مع المتغيرات العالمية إلى مرحلة صناعة المستقبل.

أبوظبي - في خضم التحولات العميقة التي يشهدها قطاع النقل الجوي عالمياً، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها قصة نجاح متكاملة تتجاوز حدود الطيران لتلامس نموذجاً تنموياً شاملاً، قوامه الرؤية القيادية، والاستقرار السياسي والاجتماعي، والاستثمار الذكي في البنية التحتية ورأس المال البشري، فالتقدم الذي يحققه قطاع الطيران الإماراتي اليوم ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مسار استراتيجي طويل قادته القيادة الإماراتية بروح استشرافية جعلت من الدولة مركزا عالميا للحركة والربط والتأثير الاقتصادي.

ويمثل قطاع الطيران أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد الوطني، ليس فقط بحجمه ومساهمته المباشرة وغير المباشرة التي تقترب من خمس الناتج المحلي الإجمالي، بل بدوره المحوري في تحفيز قطاعات أخرى مترابطة، مثل التجارة الدولية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد. وقد نجحت الإمارات في بناء منظومة متكاملة للطيران، تجمع بين التشريعات المرنة، والبنية التحتية المتطورة، والحوكمة الرشيدة، والشراكات الدولية، ما جعلها نموذجاً يُحتذى في إدارة هذا القطاع شديد التعقيد والحساسية.

وتقود الهيئة العامة للطيران المدني هذا التحول برؤية تنظيمية حديثة توازن بين متطلبات السلامة، وتشجيع الابتكار، وفتح الآفاق أمام التقنيات الجديدة.

وخلال عام 2025، سجل القطاع سلسلة من الإنجازات النوعية التي عكست قدرة الإمارات على الانتقال من مرحلة التكيف مع المتغيرات العالمية إلى مرحلة صناعة المستقبل، فقد أطلقت الدولة المنصة الوطنية الموحدة للطائرات من دون طيار، في خطوة تعكس إدراكاً مبكراً لأهمية هذا القطاع الصاعد، ليس فقط من زاوية الاستخدام التجاري والخدمي، بل أيضاً من حيث ضبطه تشريعياً بما يضمن سلامة الأفراد والممتلكات ويواكب المعايير الدولية.

قيادة آمنت بالإنسان وبنت المؤسسات واستثمرت في المستقبل
قيادة آمنت بالإنسان وبنت المؤسسات واستثمرت في المستقبل

وفي سياق الابتكار، خطت الإمارات خطوة غير مسبوقة عالمياً عبر الموافقة على تصميم أول مهبط طائرات عمودية هجينة في إطار مشروع "تاكسي الطائرات الجوية" في أبوظبي، بالتوازي مع إصدار أول لائحة تنظيمية في العالم للعمليات الهجينة. هذه الخطوات لا تعكس طموحاً تقنياً فحسب، بل تؤكد أن الإمارات تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم النقل الجوي الحضري وجعله جزءا من منظومة تنقل ذكية ومستدامة، تواكب التحولات البيئية والاقتصادية في المدن الحديثة.

الاستدامة البيئية تشكل ركنا أساسيا في هذا المسار، حيث لم تعد خيارا تكميلياً، بل مكونا بنيويا في سياسات الطيران. وقد جسدت الإمارات هذا التوجه من خلال تطوير الخطة الوطنية لتقليل انبعاثات قطاع الطيران، التي تضمنت عشرات المشاريع في مجالات التشغيل والتكنولوجيا ووقود الطيران المستدام. ويعكس اعتماد هذه الخطة على أعلى المستويات وتسليمها إلى منظمة الطيران المدني الدولي، التزام الدولة بتحمل مسؤولياتها المناخية والمشاركة الفاعلة في صياغة الحلول العالمية لقضايا التغير المناخي.

وعلى الساحة الدولية، واصلت الإمارات تعزيز حضورها المؤثر في مؤسسات الطيران المدني العالمية، مؤكدة مكانتها كشريك موثوق وصاحب رؤية، ففوزها المتكرر بعضوية مجلس 'الإيكاو' وتولي كفاءات إماراتية مناصب قيادية في لجان المنظمة، يعكسان الثقة الدولية المتنامية في الخبرة الإماراتية وفي قدرتها على الإسهام في تطوير منظومة الطيران العالمي، سواء في مجالات الأمن أو حماية البيئة أو دعم التنفيذ.

كما رسخت الدولة دورها كمركز عالمي للحوار وصناعة مستقبل الطيران، عبر استضافة فعاليات دولية كبرى، من بينها مبادرات رائدة تحولت من أفكار وطنية إلى منصات عالمية معتمدة دولياً.

ويعكس اعتماد مبادرة "السوق العالمي للطيران المستدام" كفعالية سنوية رسمية ضمن أجندة 'الإيكاو' قدرة الإمارات على تحويل رؤاها الاستراتيجية إلى أطر مؤسسية دولية، تسهم في توجيه دفة القطاع نحو مزيد من الاستدامة والابتكار.

ولا يكتمل مشهد التحول دون التوقف عند الأداء القياسي لمطارات الدولة التي واصلت تسجيل أرقام غير مسبوقة في أعداد المسافرين، ما يؤكد متانة البنية التحتية وكفاءة التشغيل وجاذبية الإمارات كمحور عالمي للسفر والأعمال، فالمطارات الإماراتية لم تعد مجرد نقاط عبور، بل منصات اقتصادية متكاملة، تدعم النمو وتوفر فرص العمل وتعزز تنافسية الدولة على خارطة الاقتصاد العالمي.

وفي قلب هذه المنظومة تواصل شركات الطيران الوطنية لعب دور القاطرة، عبر استثمارات ضخمة في تحديث الأسطول واعتماد أحدث التقنيات والرهان على تجربة المسافر، فالطلبيات الكبيرة التي أعلنتها طيران الإمارات وفلاي دبي والاتحاد للطيران خلال معرض دبي للطيران لا تعكس توسعا كميا فحسب، بل رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تقوم على تحديث الأساطيل بطائرات أكثر كفاءة، وأقل استهلاكاً للوقود وأكثر توافقاً مع متطلبات الاستدامة.

وتكشف هذه الاستثمارات عن ثقة راسخة بمستقبل القطاع وبقدرة الاقتصاد الإماراتي على مواصلة النمو في بيئة عالمية مضطربة. كما تؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الطيران بمعزل عن باقي القطاعات، بل كجزء من منظومة تنموية شاملة، تتكامل فيها البنية التحتية المتقدمة مع الاستقرار السياسي والاجتماعي وسياسات الانفتاح الاقتصادي والاستثمار المستمر في التعليم وبناء الكفاءات الوطنية.

وقصة الطيران في الإمارات هي في جوهرها قصة قيادة آمنت بالإنسان وراكمت الثقة وبنت المؤسسات واستثمرت في المستقبل. وهي قصة نجاح تتجاوز حدود المطارات والطائرات، لتشمل نموذجا تنموياً أثبت قدرته على الصمود والتكيف وصناعة الفرص.

 وفي عالم يتغير بسرعة، تواصل الإمارات تقديم نفسها بوصفها دولة تصنع التحولات، لا تكتفي بمواكبتها، وتؤكد أن الرؤية الواضحة، حين تقترن بالاستقرار والاستثمار في رأس المال البشري، قادرة على تحويل الطموح إلى واقع مستدام.