الإمارات تعتمد أضخم موازنة تحصن الحاضر وتبني المستقبل
أبوظبي – اعتمدت دولة الإمارات أضخم ميزانية في تاريخها للعام 2026، في خطوة تعكس متانة اقتصادها واستجابتها لمتطلبات المرحلة الجديدة من التنمية، وترسيخاً لنهج ومقاربات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي جعل من الاستدامة والرفاه الإنساني محوراً لرؤيته الاستشرافية لمستقبل الدولة.
وتبلغ تقديرات الإيرادات في الميزانية الجديدة 92.4 مليار درهم (نحو 25.2 مليار دولار)، وهي الأعلى منذ نشأة الاتحاد عام 1971، ما يمثل مؤشراً واضحاً على متانة الاقتصاد الإماراتي، وكفاءة سياساته المالية، وقدرته على التكيّف مع التحولات الإقليمية والدولية بثقة واستباقية.
ترسيخ الاتحاد وتعزيز التوازن التنموي
وجاء الإعلان عن الميزانية الجديدة ليؤكد التوجه الاتحادي الراسخ نحو التنمية المتوازنة وضمان استدامة النمو الاقتصادي والاجتماعي. وقال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في منشور عبر منصة "إكس"، إن الميزانية "هي الأعلى منذ نشأة الاتحاد، وتُرسّخ المنظومة الاتحادية... ونعكس من خلالها التزامنا المستمر بالتنمية المتوازنة".
وهذا التأكيد يعكس روح الاتحاد التي قامت على العدالة في توزيع التنمية والخدمات بين مختلف المناطق، بما يعزز الانسجام الاجتماعي والاستقرار السياسي الذي تميّزت به الإمارات على مدى أكثر من خمسة عقود. كما أن الميزانية الجديدة تجسد فلسفة الإدارة المالية الإماراتية القائمة على الانضباط والكفاءة والتخطيط بعيد المدى، وهي سمات جعلت التجربة الإماراتية نموذجاً يُحتذى في المنطقة.
اقتصاد قوي متنوع يتجاوز النفط
وتكشف الأرقام المعلنة أن الميزانية الاتحادية تستند إلى إيرادات مستقرة ومتنوعة، وهو ما يعكس نجاح الدولة في تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، فخلال السنوات الخمس الماضية، تضاعفت الصادرات غير النفطية من 470 مليار درهم عام 2019 إلى 950 مليار درهم عام 2024، بزيادة قدرها 103 في المئة، ما يؤكد فاعلية إستراتيجية التنويع الاقتصادي التي تبنّتها الإمارات مبكراً.
وقد باتت قطاعات مثل التجارة، والخدمات المالية، والسياحة، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي تشكل روافع رئيسية للاقتصاد الوطني، بينما تعمل الحكومة على ترسيخ مكانة الدولة كمركز عالمي للابتكار والاقتصاد الرقمي والفضاء.
الإنسان أولاً: الرفاه ركيزة التنمية
وتركّز الميزانية الجديدة على الاستثمار في الإنسان قبل البنية، إذ تُخصَّص نحو 42 في المئة من الإنفاق لقطاعات التنمية والمنافع الاجتماعية، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية وحماية المجتمع، فيما يعكس هذا التوجه إيمان القيادة الإماراتية بأن الاستثمار في رأس المال البشري هو الضمان الحقيقي لاستدامة التنمية.
ويتماهى ذلك مع نهج الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي يؤكد في كل مناسبة أن “الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن”. فسياسات الدولة التعليمية والصحية والاجتماعية ليست مجرد برامج حكومية، بل مشروع حضاري متكامل يهدف إلى بناء مجتمع متماسك يتمتع بالرفاه والفرص المتكافئة.
رؤية استشرافية لمستقبل الاقتصاد العالمي
وتأتي الميزانية الاتحادية الجديدة في سياق تحولات عالمية متسارعة، ما يجعل من رؤية الشيخ محمد بن زايد خطة استباقية لمواجهة المستقبل بثقة، فبينما يشهد الاقتصاد الدولي اضطرابات في سلاسل الإمداد وتقلبات في الأسواق، تواصل الإمارات بناء اقتصاد مرن ومتنوع يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والابتكار.
وتعمل الدولة على تعزيز مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد المعرفي، من خلال التحول الرقمي الشامل، وتبنّي الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية والقطاعات الإنتاجية، فضلاً عن الاستثمار في الطاقة النظيفة ومشاريع الفضاء، التي أصبحت جزءاً من هوية الإمارات الحديثة.
إدارة مالية رشيدة وشفافية عالية
وتتسم الميزانية الإماراتية بطابعها الأدائي القائم على النتائج، إذ تُربط النفقات بالمخرجات والمشروعات ذات الأثر المباشر في حياة الناس. كما تعتمد الحكومة الاتحادية على أنظمة مراقبة مالية دقيقة وبرامج سنوية لدعم المركز المالي وضمان الاستدامة.
وتؤكد التقارير الدولية أن الإمارات تُعد من أكثر دول المنطقة انضباطاً وشفافية في إدارة المال العام، مستفيدة من احتياطيات مالية ضخمة وصناديق سيادية تُصنف ضمن الأكبر في العالم، ما يمنحها مرونة عالية وقدرة على تمويل المشاريع التنموية الكبرى دون اللجوء إلى الدين العام أو الضرائب المرتفعة.
ثقة دولية وتصنيفات ائتمانية قوية
وعلى الصعيد المالي، حافظت الإمارات على تصنيفات ائتمانية مرتفعة من مؤسسات عالمية كبرى، إذ منحتها وكالة “موديز” تصنيف AA2، فيما منحتها “فيتش” AA-، وهي من الأعلى في المنطقة. وتعكس هذه التقييمات ثقة الأسواق العالمية في الاستقرار المالي والسياسي للدولة، وقدرتها على مواصلة النمو رغم التحديات الإقليمية والعالمية.
ولا تمثل الميزانية الجديدة مجرد أرقام في دفاتر الحسابات، بل خارطة طريق وطنية لتكريس التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين الإمارات السبع. فهي تعزز العمل الاتحادي المشترك وتدعم المؤسسات الحكومية في تنفيذ الخطط الاستراتيجية الموجهة نحو المستقبل.
ومن خلال هذا الإطار، تواصل الإمارات ترسيخ وحدتها الاتحادية عبر التنمية المتوازنة، حيث تُوزع المشاريع والفرص بما يضمن شمول جميع المناطق والمجتمعات في مسار النهضة الشاملة.
اقتصاد وطني يروي قصة نجاح من رحم التحديات
ولقد أثبتت الإمارات، من خلال سياساتها المالية والاقتصادية، أن النجاح لا يتحقق بالمصادفة، بل برؤية واضحة وإدارة دقيقة للموارد، فبينما تعاني كثير من الاقتصادات من تباطؤ النمو أو التضخم، تمضي الدولة الخليجية بخطى واثقة نحو اقتصاد مستدام يوازن بين الطموح والواقعية.
ويبدو أن السر في هذه القدرة يكمن في الرؤية الاستباقية للقيادة الإماراتية، التي جعلت من التحديات فرصاً، ومن التحولات الاقتصادية العالمية منصة لتعزيز تنافسية الدولة وتأكيد ريادتها في المنطقة والعالم.
وتعكس الميزانية الاتحادية الجديدة أن الإمارات تدخل مرحلة جديدة من التنمية أكثر نضجاً واستدامة، مرحلة توازن بين الاستثمار في الإنسان والمستقبل، وتستند إلى منظومة اتحادية قوية واقتصاد متنوع. إنها ميزانية لا تبني أرقاماً، بل تصنع واقعاً جديداً، وتؤكد أن الرفاه الإنساني هو البوصلة التي توجه كل السياسات.
وبذلك، تمضي الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في ترسيخ مكانتها كدولةٍ تنظر إلى المستقبل بعينٍ ثاقبة، وتعمل في الحاضر بعزمٍ راسخ، لتظل نموذجاً للتنمية الحديثة القائمة على الوحدة، والاستدامة، والإنسان أولاً.