الإمارات تفتح أبواب الأمل بعفو رئاسي عن الاف السجناء

قرار الشيخ محمد بن زايد ليس مجرد إعلان بالعفو، بل هو رسالة إنسانية وسياسية واجتماعية تؤكد أن الإمارات تواصل مسيرتها كدولة تمنح الأمل وتؤمن بأن الفرصة الثانية قد تغيّر مسار حياة بأكملها.

أبوظبي - في خطوة تحمل أبعاداً إنسانية عميقة وتعيد التأكيد على النهج الانساني الذي تأسست عليه دولة الإمارات، أصدر رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قرارا بالعفو عن 2937 نزيلاً من المؤسسات العقابية والإصلاحية، مع تكفله بتسديد الغرامات المالية المترتبة عليهم، وذلك بمناسبة عيد الاتحاد الرابع والخمسين.

 ويتجاوز هذا القرار الجانب القانوني إلى ما هو أبعد: ترميم حياة وفتح أبواب المستقبل، وإعادة دمج آلاف الأفراد في مجتمعهم وأسرهم.

كما يأتي هذا القرار في لحظة وطنية رمزية، فعيد الاتحاد ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل تاريخ يؤرخ لولادة مشروع دولة استطاعت منذ سبعينيات القرن الماضي أن تحوّل مواردها إلى نموذج إنمائي متماسك قائم على الاستقرار والتعايش والإنسان.

ومنذ عهد الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كانت فلسفة الدولة قائمة على أن الإنسان هو محور البناء، وأن التنمية لا تكتمل دون احتضان الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الذين تعثرت خطواتهم يوماً ووجدوا أنفسهم خلف القضبان.

ولأن هذا النهج لم يكن يوماً شعاراً، بل ممارسة راسخة، يأتي قرار الشيخ محمد بن زايد ليجسّد روح الإمارات عبر موازنة دقيقة بين صرامة القانون ورحمته، فالدولة التي تطبق قوانين واضحة وصارمة لضمان أمن المجتمع واستقراره، تفتح في الوقت نفسه مساحة واسعة للإصلاح وإعادة التأهيل.

ومن هنا فإن العفو لا يُقرأ على أنه تساهل، بل على أنه فرصة ثانية مُنحت لمن أثبتوا رغبتهم في التغيير.

وعلى المستوى الإنساني، يحمل هذا القرار وقعاً خاصاً على آلاف الأسر التي تنتظر عودة أبنائها، فخلف كل نزيل عائلة كانت تعيش انقسامات يومية بين الأمل والقلق، وبين الرغبة في تجاوز الماضي والخوف من المستقبل.

وحين تتكفل الدولة بتسديد الغرامات، فهي في الواقع تحرّر عائلات كاملة من أعباء مالية ثقيلة، كانت لتبقى عقبة أمام إعادة الاندماج والاستقرار. إنها رسالة بأن المجتمع قادر على أن يفتح ذراعيه مجدداً لأبنائه، وأن الخطأ، مهما كان مؤلماً، ليس نهاية الطريق.

كما ينسجم القرار مع رؤية الإمارات التي أرست نموذجاً فريداً في المنطقة يقوم على الاعتدال، والتسامح، وتمكين الإنسان، فالمبادرة لا تقتصر على تحرير أفراد من أحكام قضائية، بل على إعادة دمج آلاف الأشخاص في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل عالم يشهد اضطرابات اقتصادية ونفسية متزايدة، تصبح مثل هذه القرارات امتداداً لسياسة دولة تجعل من الاستقرار الاجتماعي هدفاً مركزياً.

ولعل واحدة من أهم الرسائل التي يحملها القرار تتمثل في التأكيد على أن المؤسسات العقابية في الإمارات ليست سجناً بالمعنى التقليدي، بل فضاءات لإعادة التأهيل. فالعفو جاء لمن أظهروا استعداداً للعودة إلى المجتمع بوعي وانضباط، ويهدف إلى منحهم بداية جديدة. وفي هذا الإطار، تنسجم المبادرة مع فلسفة عقابية تقوم على تقويم السلوك بدل الاكتفاء بردع المخالفين.

وعلى المستوى الوطني، يشكل هذا القرار تأكيداً لروح الاتحاد التي تُعلي قيمة الإنسان وتربط قوة الدولة بقدرتها على حماية جميع أبنائها. فالقرار يضمن استقرار آلاف الأسر قبل حلول المناسبة الوطنية، ويدخل البهجة على البيوت التي عاشت سنوات من الانتظار والصعوبات، كما يعزز الثقة بين المواطن والدولة من خلال مبادرات تُترجم فعلياً قيم الرحمة والتضامن.

أما على المستوى الرمزي، فهو استمرار لموروث قيادي كان الشيخ زايد قد رسخه منذ تأسيس الدولة: أن العدالة لا تكتمل إلا إذا امتزجت بالرحمة، وأن المجتمع القادر على الإصلاح هو المجتمع القادر على التقدم. ولذلك لا يبدو غريباً أن يأتي القرار في مناسبة وطنية كبرى، حيث تتجلى روح الإمارات بأبهى صورها: دولة قوية، عادلة، رحيمة، وآمنة.

باختصار، قرار الشيخ محمد بن زايد ليس مجرد إعلان بالعفو، بل هو رسالة إنسانية وسياسية واجتماعية تؤكد أن الإمارات تواصل مسيرتها كدولة تمنح الأمل، وتؤمن بأن الفرصة الثانية قد تغيّر مسار حياة بأكملها. وهو أيضاً تذكير بأن بناء المجتمعات يبدأ من احتضان أفرادها، ومن الإيمان بأن الإصلاح ممكن، وأن الرحمة ليست ضعفاً، بل امتداد لقوة الدولة وثقتها في نفسها وقيمها.