الإمارات وكندا تطلقان شراكة استثمارية ضخمة بـ50 مليار دولار

الإمارات توسّع بوصلتها الاستثمارية نحو كندا بما يضمن تنويع الشركاء وتعزيز حضورها في الذكاء الاصطناعي والطاقة والتعدين.
الشيخ محمد بن زايد ورئيس وزراء كندا يرسمان ملامح تعاون اقتصادي جديد
الإمارات تتقدم نحو أسواق المستقبل باستثمارات ضخمة في كندا

أبوظبي - في لقاء حمل دلالات اقتصادية واسعة، بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو إطلاق شراكة استثمارية كبرى تُعيد رسم ملامح التعاون بين البلدين. وقد شكّل الاجتماع فرصة لدفع مسارات جديدة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة والنقل والخدمات المالية، بما يعكس رغبة مشتركة في بناء إطار اقتصادي أكثر ديناميكية واستدامة.

وتواصل الإمارات ترسيخ حضورها كقوة استثمارية عالمية عبر فتح قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي والتقني، في إطار استراتيجية تعتمد على تنويع الشركاء وتعزيز النفوذ في القطاعات الحيوية. وفي هذا السياق، أعلنت أبوظبي عن استعدادها لاستثمار ما يصل إلى 50 مليار دولار في كندا، ضمن إطار عمل جديد يغطي مشاريع في الذكاء الاصطناعي والطاقة والتعدين، ما يجعله واحداً من أكبر الالتزامات الاستثمارية الإماراتية في سوق متقدم مثل كندا.

وجاءت المحادثات في وقت تتوسع فيه علاقات أبوظبي الاقتصادية عالمياً، ما يجعل الانفتاح على الاقتصاد الكندي خطوة استراتيجية نحو توسيع الاستثمارات المتبادلة وتطوير مشاريع مشتركة تعزز حضور الإمارات في الأسواق المتقدمة. بهذا اللقاء، وضع الجانبان أساساً لتعاون اقتصادي جديد، يتميز بعمق أكبر وتوجه نحو الابتكار والشراكات طويلة الأمد.

ووفق بيان لوزارة الاستثمار الإماراتية، جاء توقيع إطار العمل خلال زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى أبوظبي، في خطوة تعكس رغبة متبادلة في بناء شراكة استراتيجية تمتد إلى قطاعات مستقبلية تمثل جوهر التحول الاقتصادي العالمي. ويؤشر هذا الارتباط الجديد إلى توسع متسارع في الجغرافيا الاستثمارية الإماراتية التي نجحت خلال السنوات الماضية في تنويع وجهاتها من آسيا إلى أوروبا والأميركيتين.

انفتاح كندي على الاستثمارات الاماراتية
انفتاح كندي على الاستثمارات الاماراتية

ويُعد قطاع الطاقة أحد أعمدة التوسع الإماراتي، إذ تسعى الدولة إلى تعزيز حضورها في مشاريع الطاقة حول العالم عبر أذرع استثمارية، من أبرزها شركة XR.G، الذراع الخارجية الجديدة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، والتي أنشئت خصيصاً لتسريع وتيرة استثمارات الطاقة الدولية. ومن المتوقع أن يلعب هذا الكيان دوراً محورياً في تنفيذ الجزء المتعلق بالطاقة ضمن الاتفاق مع كندا، سواء في مشروعات الهيدروجين، أو الوقود منخفض الانبعاثات، أو تطوير الحقول والموارد الطبيعية.

في موازاة ذلك، تُسرّع الإمارات خطواتها نحو بناء اقتصاد معرفي متكامل يقوم على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بوصفها محركات النمو الرئيسية في السنوات المقبلة. وقد أعلنت أبوظبي بالفعل خططاً لبناء أحد أكبر مراكز البيانات في العالم داخل البلاد، باستخدام تقنيات أميركية متطورة، وهي خطوة تعكس تنامي الطلب على قدرات حسابية ضخمة في ظل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والخوارزميات الصناعية.

وتلعب شركة جي42 (G42) التكنولوجية، المرتبطة بالدولة، دوراً محورياً في بناء قطاع الذكاء الاصطناعي الإماراتي، إذ تتحرك بخطى سريعة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي عالمية، وتعزيز قدرات الحوسبة السحابية، وتوقيع شراكات دولية مع شركات كبرى. ومن المتوقع أن يشكل الاتفاق مع كندا امتداداً لهذا النهج، عبر مشاريع قد تشمل تطوير بنى تحتية رقمية، واستثمارات في شركات تقنية كندية ناشئة، وتعاوناً بحثياً في مجالات الحوسبة والبيانات والابتكار الصناعي.

أما قطاع التعدين، الذي يندرج ضمن الاتفاق، فيعد من القطاعات التي تسعى الإمارات إلى توسيع حضورها فيها عالمياً، بالنظر إلى أهميته في سلاسل التوريد الخاصة بالطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة. فالمعادن الاستراتيجية—مثل الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة—باتت حجر الزاوية في تصنيع البطاريات، وتطوير السيارات الكهربائية، وبناء الشبكات الذكية. وكندا، بمواردها الضخمة، تمثل شريكاً مثالياً لتأمين جزء من هذه المواد الحيوية ضمن رؤية إماراتية بعيدة المدى.

وإجمالاً، يعكس الاتفاق الجديد تحولاً استراتيجياً في مقاربة الإمارات للاستثمار الخارجي، يقوم على استباق التحولات العالمية، والدخول في شراكات طويلة الأمد مع دول تمتلك خبرات وقدرات صناعية متقدمة. كما ينسجم مع توجه الدولة نحو تعظيم القيمة الاقتصادية والتكنولوجية لاستثماراتها، وتأكيد موقعها كلاعب دولي يسهم في تشكيل مستقبل قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات الثقيلة.

ويبدو أن أبوظبي، عبر هذه الخطوة، لا تكتفي بتوسيع خارطة استثماراتها، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تضمن مكانتها في الاقتصاد العالمي الجديد، وتفتح أمامها منافذ أوسع للتأثير والمنافسة في المشروعات التي ستحدد ملامح العقد القادم.