الاحتفالات الحوثية بين فرض الهيمنة وإعادة تشكيل الوعي
يعيش اليمنيون تحت وطأة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والاقتصادية في التاريخ الحديث، والملايين منهم تحت خط الفقر مع انقطاع المرتبات منذ أكثر من عشر سنوات، في حادثة لم يسبق لها نظير في التاريخ. وتحوّل جماعة الحوثي هذا المشهد إلى سلسلة من الاحتفالات تقيمها على جراحات اليمنيين وأنّاتهم وآلامهم، وكل يوم تبتدع لونًا جديدًا وطقسًا مستحدثًا وعيدًا لا علاقة له بتاريخ اليمن واليمنيين، لا دينيًا ولا سياسيًا ولا تاريخيًا.
هذا التناقض، وهذه الهوة الشاسعة بين أصوات الاحتفالات وزخات الرصاص المطلقة فيها، وبين أصوات البطون الخاوية والبيوت البائسة، فالجماعة لا تكف عن السعي لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية والعقائدية، وضمان استمرار سيطرتها السياسية والعسكرية في هذا الوسط المأساوي والمضطرب تتحكم هي بزمامه وتستولي عليه.
وتتعامل الجماعة مع المناسبات الدينية العامة كالمولد النبوي، ومع مناسباتها الخاصة كيوم الغدير وعاشوراء وغيرها، كمواسم تكرّس من خلالها فرز المجتمع طائفيًا، وبناء جدار حول وعي الجمهور اليمني بغية عزله عن محيطه العربي والإسلامي الواسع، ومن خلال إحياء مناسبات طائفية سلالية مثل مناسبة استشهاد الإمام زيد وأسبوع الشهيد، والعمل على تحويلها من مناسبات فئوية وسلالية إلى ثوابت وطنية يُجبر الناس على الاحتفال بها وإحيائها.
وقد سخّرت الجماعة مناسبة مولد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وحولتها من مناسبة يجمع المسلمون حول محبتها وتعظيمها، وإحياءها بالطرق الصحيحة من خلال اتباع هديه والعمل بسنته، إلى أداة ومشروع سياسي وعسكري استعراضي، تغيب فيه الأحاديث النبوية لتحل محلها وخطابات زعماء الجماعة وملازمها. كما يغيب فيه ذكر صفات النبي صلى الله عليه وسلم لتحل محلها صفات زعيم الجماعة وإطلاق ألقاب عليه مثل "علم الهدى" و"وارث النبوة"، واعتبار ذلك من الإيمان، مع وصم كل من يخالف ذلك أو يعارضه بالنفاق.
كما تسعى الجماعة من خلال تكثيف هذه الاحتفالات إلى احتكار تمثيل الإسلام الصحيح، وتسويق فكرة أن أي معارضة لسياساتها هي معاداة للإسلام ذاته ومعاداة للرسالة السماوية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله رحمة للعالمين.
كما أن ماكينتهم الإعلامية المرافقة لهذه الاحتفالات تركز على صياغة شرعية حكم بديلة عن الشرعية الدستورية والانتخابية، تتجاوز نظام الحكم اليمني القائم على النظام الجمهوري والتعددية السياسية، لتحل محلها شرعية قائمة على مفهوم الحق الإلهي والاصطفاء السلالي على أساس النسب والجينات. كما تحرص هذه الآلة الإعلامية على التركيز على آيات الولاية والهداية وتفسيرها بما يخدم أهدافها السياسية، من خلال توظيف علمائها لمحاولة تأصيل هذا المفهوم.
وهي محاولة لإلغاء مفهوم الدولة الحديثة القائمة على العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وإعادة المجتمع اليمني إلى عهد التقسيم الطبقي بين سلالة حاكمة تدّعي امتلاك الحق الحصري والأبدي في السلطة والثروة، وبين رعية ليس عليها سوى الطاعة ودفع الجبايات والتضحية بالمال والنفس في سبيل حماية هذه السلالة، كما يمكن اعتبار هذا الإغراق في الاحتفالات واختلاق المناسبات وإيجادها، ولو لم تكن موجودة من قبل، وحشد الناس وتوجيههم إلى الساحات والميادين، وسيلةً ترسل من خلالها الجماعة رسائل متعددة إلى الداخل والخارج.
فالرسالة الموجهة إلى الداخل تستهدف إشعار خصومها السياسيين الصامتين وغيرهم في مناطق سيطرتها وخارجها باليأس، وإيهام المواطنين بأن الجماعة تحظى بتأييد شعبي واسع يملأ الساحات، بما يولد لديهم شعورًا باستحالة التغيير أو إمكانية تحقيقه، ويُجهض في نفوسهم أي انتفاضة أو مقاومة مجتمعية يمكن التفكير في بنائها والعمل عليها، كما تهدف من خلال حشد المواطنين في هذه الاحتفالات إلى استخدامهم كورقة ضغط على طاولة المفاوضات السياسية، وإرسال رسالة أخرى إلى المجتمع الدولي والقوى الإقليمية بأنها لا تحكم بالقوة العسكرية والقمع الأمني فقط، بل تستند أيضًا إلى قاعدة شعبية وإرادة جماهيرية، والجميع يعلم أن غالبية هذه الجماهير تخرج مرغمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إذ يدرك كل من يتتبع هذه الاحتفالات والحشود أن الجماعة تلزم عُقّال الحارات ومشرفي الأحياء ومدراء المدارس والجامعات بضرورة توفير حصص بشرية للمشاركة في الاحتفالات والساحات، وأن كل مسؤول يتخلف عن تحقيق النسب المطلوبة منه قد يُتهم بالخيانة الوطنية أو بالتواطؤ مع الخارج، وقد يصل الأمر إلى فصله من وظيفته إن وجدت، أو اعتقاله، مما يجعل إقامة هذه المناسبات نوعًا من الاستعراض الهادف إلى الحفاظ على البقاء وتجنب الأذى.
كما تُخفي الجماعة خلف هذه الألوان والشعارات محركًا اقتصاديًا يدرّ المليارات إلى خزائنها وخزائن مشرفيها النافذين، فيما وصفه بعض المراقبين بـ"اقتصاد المناسبات"، الذي أصبح أحد أهم روافد اقتصاد الجماعة. وتتعدد أساليب الجباية التي تطال مختلف فئات وشرائح المجتمع، حيث أصبحت كبرى الشخصيات الاقتصادية وكبريات الشركات تحت رحمة مشرفي الجماعة، ومهددة بالإغلاق أو الإيقاف إذا لم تستجب للمطالب المفروضة عليها، ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل امتدت لتطال صغار التجار وأصحاب المحلات البسيطة والباعة المتجولين، إذ تنفذ سلطات الجماعة ومشرفوها جولات ميدانية لإجبار الجميع على دفع المبالغ التي تم تحديدها عليهم، مع إلزام المحلات بطلاء الأرصفة وتزيين الشوارع وشراء الزينة الخضراء على نفقتهم الخاصة، وبذلك يصبح تمويل هذه الاحتفالات والحشود مستمدًا من قوت المواطنين اليومي واحتياجاتهم الأساسية، بينما تكمن الصورة الأكثر قتامة في أن النسبة الأكبر من هذه الأموال تذهب إلى تمويل الجبهات العسكرية وتوسيع الاستثمارات العقارية والتجارية الخاصة بالطبقة السلالية النافذة، وهو ما يخلق طبقة ثرية من أمراء الحرب داخل الجماعة على حساب معاناة ملايين اليمنيين.
وتبقى الغاية الأساسية والكبرى للجماعة من هذه الاحتفالات هي خلق جيل يمني منفصل عن تاريخه وجمهوريته ومحيطه العربي والإسلامي، ليرى نفسه جزءًا من محور أيديولوجي عابر للحدود الوطنية. وتسعى الجماعة إلى ربط الذاكرة التاريخية للشباب والأطفال بمناسبات وشخصيات ذات طابع سياسي وديني لا تمت اليمن واليمنيين بصلة، سواء على المستوى التاريخي أو السياسي أو العقائدي.
كما تعمل على ملء الفراغ الوجداني برموز وتواريخ ترتبط بحقبة الإمامة البائدة، أو بمناسبات مستوردة من الأدبيات الإيرانية، مثل "أسبوع الصرخة"، و العمل على تلميع شخصيات ومنحها ألقابًا ذات دلالات دينية وسياسية مثل "علم الهدى" و"القرآن الناطق" ونحوها، في إطار مشروع يستهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم مشروعها الفكري والسياسي.