الامارات في قائمة التراث العالمي بأقدم شهادة على صمود البشر في الصحراء
أبوظبي - في إنجاز تاريخي مميز لدولة الإمارات العربية المتحدة، اعتمدت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو في دورتها السابعة والأربعين المنعقدة في باريس الجمعة قراراً جماعياً بإدراج موقع "الفاية" الأثري في إمارة الشارقة ضمن قائمة التراث العالمي لعام 2025.
ويمثل هذا الاعتراف الدولي محطة فارقة في تاريخ الحضارة الإنسانية ويؤكد على الدور المحوري لشبه الجزيرة العربية في مسارات الهجرة البشرية المبكرة.
تاريخ موقع الفاية وأهميته الحضارية
يقع موقع الفاية في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، ويُعد نموذجاً استثنائياً للبيئة الصحراوية خلال العصر الحجري.
ويحتفظ الموقع بأحد أقدم وأطول السجلات المتواصلة لوجود الإنسان في البيئات الصحراوية، حيث يعود تاريخه إلى أكثر من 210 آلاف عام.
هذا التأريخ يجعل من الفاية شاهداً على أقدم الأدلة المتصلة لاستيطان الإنسان العاقل في البيئات الصحراوية القاسية.
وخلال أكثر من ثلاثين عاماً من التنقيب الدقيق، كشفت هيئة الشارقة للآثار بالتعاون مع فرق دولية متخصصة عن 18 طبقة جيولوجية متعاقبة.
وكل طبقة توثق فترة زمنية مختلفة من النشاط البشري، مما يمنح الموقع قيمة علمية استثنائية في رسم مسار تطور الإنسان في البيئات القاحلة.
وثّقت الدراسات الأثرية والبيئية للطبقات التاريخية في الموقع استمرارية الاستيطان البشري منذ 210,000 سنة، وتؤرخ المكتشفات الأثرية بالموقع تطور الاستيطان والمستوطنين من جماعات الصيادين إلى جماعات الرعاة الرحل الذين كان لهم شعائر جنائزية خاصة.
هذا التطور التاريخي ساعد العلماء على وضع تصور جديد لطبيعة تكيف الإنسان مع المشهد الطبيعي للمنطقة في ظروف مناخية قاسية.
الموقع العربي الوحيد لعام 2025
يمثل إدراج موقع الفاية الترشيح العربي الوحيد الذي نظرت فيه لجنة التراث العالمي في عام 2025. هذا التميز يمنح الإنجاز أهمية خاصة لدولة الإمارات والشارقة والمنطقة العربية بأسرها، ويجعل من هذا الحدث لحظة تاريخية فارقة في مسيرة الحفاظ على التراث الإنساني في المنطقة.
تصنيف الموقع ضمن المناظر الثقافية
تم تصنيف الفاية ضمن فئة "المناظر الثقافية" كونه نموذجاً متكاملاً لما يُعرف بـ"المناظر الصحراوية". يمثل الموقع قدرة الإنسان على التكيّف والاستيطان في الصحارى، إذ شكلت رغم ما تتميز به من قسوة وظروف بيئية بالغة الصعوبة، محطة محورية في تاريخ تطوّر الإنسان.
الأهمية العلمية والعالمية
يُعد موقع الفاية الموقع الصحراوي الأول الذي يوثق لحقبة العصر الحجري المسجل في قائمة التراث العالمي. هذا التميز يجعل من الاعتراف علامة فارقة في فهم تطور الإنسان، إذ تشكل الصحارى نحو 20% من المواطن البيئية على سطح الأرض وتقع في مواقع محورية على خارطة استيطان الإنسان للكوكب.
ثلاثة عقود من البحث الأثري واثنا عشر عاماً من إعداد الترشيح
بدأت هيئة الشارقة للآثار برنامجاً بحثياً مكثفاً في موقع الفاية منذ أكثر من ثلاثين عاماً. هذا البرنامج طويل المدى شمل دراسات متقدمة تعمّقت في فهم البيئات القديمة التي عاش فيها الإنسان الأول، وأسفر عن اكتشافات نوعية غيّرت جذرياً النظرة السائدة إلى أنماط الهجرة البشرية الأولى والاستيطان في شبه الجزيرة العربية.
أعدّت إمارة الشارقة ملف الترشيح الرسمي لموقع الفاية في فبراير 2024 بعد 12 عاماً من التحضير المستمر. ارتكز هذا الإعداد على أكثر من 30 عاماً من التنقيب والدراسات البيئية وخطط الحفظ، وخضع الموقع لتقييم صارم وفق معايير اليونسكو التي لا تعتمد إلا المواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية.
أُثري المسار البحثي بشراكات علمية مع جامعات ومؤسسات دولية مرموقة، أبرزها جامعة توبنغن الألمانية المتخصصة في علم آثار ما قبل التاريخ، وقسم دراسات البيئة القديمة بجامعة أوكسفورد بروكس البريطانية. كما شاركت مؤسسة البحوث الألمانية (DFG) وأكاديمية هايدلبرغ للعلوم والعلوم الإنسانية في ألمانيا بالتمويل والدعم.
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي: سفيرة الملف
قادت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي الجهود الوطنية لتعريف المجتمع الدولي بأهمية موقع الفاية بصفتها السفيرة الرسمية لملف الترشيح الدولي. أكدت الشيخة بدور خلال تواجدها في مقر اليونسكو في باريس أن إدراج الفاية يعكس التزام الإمارات العميق بالحفاظ على التراث الإنساني المشترك.
وأشارت الشيخة بدور إلى أن الفاية يمثل "أرشيفاً حياً يعمّق فهمنا لهويتنا وجذورنا، وفنون البقاء التي مارسها الإنسان الأول في ظروف مناخية صعبة". كما أكدت أن قصة الفاية تشكّل جزءاً أصيلاً من الحكاية الإنسانية المشتركة.
لعبت هيئة الشارقة للآثار دوراً محورياً في هذا الإنجاز تحت قيادة مديرها العام عيسى يوسف. أكد يوسف أن الفاية لا تخص الشارقة فقط بل تنتمي للبشرية جمعاء، مشيراً إلى أن هذا الإنجاز هو ثمرة عمل علمي وثقافي ودبلوماسي استمر لسنوات.
وقال يوسف: "تنطلق دولة الإمارات وإمارة الشارقة في تعاملها مع التراث العالمي من إيمان عميق بأن المواقع المُدرجة على قائمة اليونسكو لا تخص بلداً بعينه، بل هي ملك للبشرية". وأضاف أن الإدراج يمثل ثمرة عمل مشترك جمع بين الصرامة البحثية العلمية، والرعاية الثقافية، والدبلوماسية الدولية.
أهمية علمية وبحثية للموقع
أكدت دراسة بحثية حديثة نشرتها مجلة "العلوم الأثرية والأنثروبولوجية" التابعة لمؤسسة النشر العلمية "سبرينغر نيتشر" أن البشر الأوائل عاشوا في جبل الفاية قبل 80 ألف عام. تقدم هذه الطبقة الأثرية للمرة الأولى في التاريخ قيمة مضافة من الأدلة العلمية الحديثة على التاريخ البشري الممتد إلى أكثر من 210 آلاف عام في هذه المنطقة.
يواصل الفاية ترسيخ مكانته كمركز عالمي في دراسات تطور الإنسان من خلال تعاونه المستمر منذ 11 عاماً مع برنامج "التطور البشري: التكيف والانتشار والتطور الاجتماعي" (HEADS) التابع لليونسكو. هذا التعاون الطويل وضع موقع الفاية كأحد المراجع العلمية الدولية في علم الإنسان القديم والآثار.
يقدم الفاية دليلاً فريداً على قدرة الإنسان المبكر على التكيف والازدهار في البيئات الصحراوية القاسية. وقال عيسى يوسف إن الموقع "يتحدى الافتراضات السابقة التي تم تبنيها لفترة طويلة ويؤكد أن شبه الجزيرة العربية لم تكن مجرد ممر للهجرات فحسب وإنما مهداً للتطور البشري".
معايير الإدراج والقيمة العالمية الاستثنائية
لإدراج أي موقع أثري في قائمة التراث العالمي، يجب أن يستوفي واحداً على الأقل من المعايير العشرة التي حددتها اليونسكو، والتي تنقسم إلى معايير ثقافية ومعايير طبيعية. تنص اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972 على أن بعض مواقع العالم لها "قيمة عالمية استثنائية"، ويجب أن تشكل جزءاً من التراث المشترك للبشرية.
تتمثل القيمة العالمية الاستثنائية لموقع الفاية في كونه يحتفظ بأحد أقدم السجلات المتواصلة لنشاط الإنسان في البيئات الصحراوية. كما أن الأدوات الحجرية المكتشفة في الموقع، والتي يزيد عمرها عن 200 ألف عام، تؤكد عبقرية الإنسان القديم وتُبرز الجذور الثقافية العميقة للمنطقة.
خضع موقع الفاية لتقييم صارم من قبل اليونسكو، استند إلى معايير دقيقة لا تُمنح إلا للمواقع ذات القيمة العالمية الفريدة. هذا التقييم اعتمد على توثيقات مجهزة بعناية، وإجراءات ثابتة، وتقييمات من خبراء أكفياء، كما نصت عليه المبادئ التوجيهية لاتفاقية التراث العالمي.
يُعد موقع الفاية ثاني موقع في دولة الإمارات ينال الاعتراف العالمي المرموق بعد إدراج مواقع العين الثقافية في عام 2011. هذا التطور يؤكد على التزام دولة الإمارات بحماية التراث الإنساني وصون الإرث الحضاري للمنطقة.
تضم قائمة التراث العالمي حالياً 1,226 موقعاً ذا قيمة عالمية استثنائية، منها 955 موقعاً ثقافياً، و231 موقعاً طبيعياً، و40 موقعاً مختلطاً، موزعة على 168 دولة. يبلغ عدد مواقع التراث العالمي في الدول العربية حتى اليوم 96 موقعاً في 18 دولة.
الخطة المستقبلية لصون الموقع
وضعت دولة الإمارات وإمارة الشارقة خطة متكاملة لإدارة وصون موقع الفاية للفترة من 2024 حتى 2030. تتماشى هذه الخطة مع المعايير المعتمدة من قبل اليونسكو للحفاظ على "القيمة العالمية الاستثنائية" للموقع.
تركّز الخطة على ثلاثة محاور رئيسية: دعم البحث العلمي، وتعزيز التعليم، وتنمية السياحة المستدامة. هذا النموذج يُجسد الدمج الفعّال بين صون التراث، والاستكشاف العلمي، والمشاركة المجتمعية.
يأتي هذا الالتزام امتداداً لجهود الشارقة المتواصلة في مجال حماية التراث، حيث كان موقع الفاية على مدى 11 عاماً من المواقع المحورية ضمن برنامج اليونسكو "HEADS" المعني بتطور الإنسان وتكيفاته وانتشاره وتطوراته الاجتماعية.
تقنيات الحديثة في البحث والتوثيق
دشّنت هيئة الشارقة للآثار نظام "المعلومات الجغرافية الأثرية" خلال مشاركتها في معرض "جيتكس العالمي 2024". يستخدم هذا النظام تقنيات حديثة تجمع بين دقة الأقمار الصناعية وأجهزة الليزر المتقدمة والطائرات بدون طيار لتوثيق المواقع الأثرية.
أطلقت هيئة الشارقة للآثار مشروع "مركز علم الآثار في عالم الميتافيرس" الذي يُعد الأول من نوعه عالمياً في مجال التراث الثقافي على منصة الميتافيرس. يُمثل هذا المشروع خطوة نوعية نحو تعزيز تجربة استكشاف التراث الثقافي والأثري لإمارة الشارقة.
التزام طويل المدى بالتراث
يعد هذا الاعتراف تتويجاً لجهود دولة الإمارات وإمارة الشارقة في حماية التراث الإنساني المشترك، بفضل رؤية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. يمتد التزام بصون التاريخ وتوثيق إرث الإنسان في المنطقة إلى فترات مبكرة من حياته، مما كشف عن وعي عميق وعريق بالتراث.
حدد قانون الآثار في إمارة الشارقة، القانون رقم 1 لسنة 1992، الإطار التشريعي الشامل لتنظيم آثار الشارقة وتراثها، وحمايتها من الضياع والاندثار، وتنظيم عملية المحافظة والصون والتنقيب. هذا الإطار القانوني المبكر أرسى الأسس المتينة للعمل الأثري في الإمارة.
يمثل إدراج موقع الفاية في قائمة التراث العالمي لليونسكو 2025 إنجازاً تاريخياً متعدد الأبعاد لدولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة الشارقة خاصة. هذا الاعتراف الدولي لا يقتصر على كونه شهادة على الأهمية العلمية والتاريخية للموقع، بل يُجسد نموذجاً رائداً في مجال حماية التراث الإنساني وصونه للأجيال القادمة.
وهذا الإنجاز يُظهر كيف يمكن للرؤية الحكيمة والعمل المنهجي طويل المدى أن يحققا نتائج استثنائية تخدم الإنسانية جمعاء.
إن موقع الفاية اليوم لا يخص الشارقة أو الإمارات فحسب، بل أصبح جزءاً من التراث المشترك للبشرية، يحمل في طياته قصة الإنسان الأول وكفاحه من أجل البقاء والازدهار في ظروف بيئية قاسية. هذه القصة تلهم الأجيال الحاضرة والمستقبلية وتذكرهم بقدرة الإنسان الاستثنائية على التكيف والإبداع والتطور عبر العصور.