الانتخابات... بين المقاطعة والتغيير
مع اقتراب الانتخابات التشريعية في العراق المزمع إجراؤها في الحادي عشر من تشرين الثاني المقبل، يتصارع فريقان على المشهد:
الفريق الأول – دعاة المقاطعة:
وهؤلاء جبهة عريضة ضمن النظام الديمقراطي، وتكبر – مع الأسف – مع كل دورة انتخابية جديدة، لأسباب منها:
١- اهتزاز الثقة بالمنظومة السياسية أولًا.
٢- غياب البديل الناجح ثانيًا.
٣- اليأس من التغيير عبر صناديق الاقتراع ثالثًا.
٤- تفشي الفساد في جسد الدولة رابعًا.
فاتجهوا إلى المقاطعة والابتعاد عن المشاركة، وهم جبهة عريضة لا يمكن إغفالها، وأغلبها من الوسط والجنوب.
الفريق الثاني – دعاة التغيير:
وهؤلاء فريق صغير في المجتمع العراقي لا يؤمن بالعملية السياسية، بدأ يكبر مع تسلم ترامب للرئاسة الأمريكية في دورته الثانية. ورغم قلة مساحة تأثير هذا الفريق، إلّا أنه خطر جدًا، لأنه يمتلك قدرة على التأثير في المشهد لعدة أسباب، منها:
١- أغلبه من داخل النظام السياسي نفسه، ممن تضرروا أو فقدوا مكاسبهم وامتيازاتهم السابقة.
٢- يتمتعون بعلاقات واسعة داخل المجتمع العراقي، وبالذات مع منظمات المجتمع المدني ذات التأثير.
٣- والأهم أن لهم علاقات متينة ودعمًا خارجيًا واضحًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نوازن بين فئة واسعة تقاطع بسبب فقدان الأمل بالتغيير أو غياب البديل، وبين فئة قليلة تريد التغيير حتى لو كان من الخارج؟
للإجابة على هذا التساؤل لا بد أن نحدد وسائل التغيير، وهي كالآتي بالنسبة للعراق:
١- الثورة: وهي لا تصلح للعراق في الوقت الحاضر، لأن الظروف الموضوعية غير متوفرة، وبسبب تنوع المجتمع العراقي وغياب القيادة التي يتفق عليها الجميع، فضلًا عن موقع العراق الجيوسياسي. فإن أي أحد لن يدعم فكرة الثورة في العراق، لا من الداخل ولا من الخارج. ولنا مثال في ثورة تموز عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين التي لم تقُد العراق إلا إلى مزيد من الانقلابات والحروب والدمار بعد عهد طويل من الاستقرار في العهد الملكي.
٢- الانقلاب: وهو أيضًا غير وارد في العراق، بسبب تعدد مراكز القوى وانتشار السلاح، مما سيؤدي – بدون أدنى شك – إلى اقتتال داخلي، ولنا في السودان الحالي خير مثال.
٣- التظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني: وهي واردة جدًا مع توسع جبهة المقاطعين، وممكن أن تحدث في أي وقت، لكنها ستعطل الحياة العامة وتزيد من بوادر الفوضى، ولنا في تشرين عام ألفين وتسعة عشر أقرب مثال، ولم يكن له أي نتائج ملموسة على الواقع.
٤- التغيير بتدخل خارجي: وهو أيضًا وارد، لكن بعد تجربة العراق عام ألفين وثلاثة عزفت الدول الكبرى عن التدخل المباشر، واتجهت إلى الحرب الناعمة بديلًا عنه. ولنا في التغيير الأخير في سوريا بدفع من تركيا مثال حي؛ فبعد عام من التغيير هناك ما زالت بوادر الفقر وعدم الاستقرار والتناحر الداخلي وتشتت البلد هي المسيطرة على المشهد.
إذن ما الحل؟ هل أُغلقت الطرق بوجه التغيير؟ هل يبقى الحال على ما هو عليه؟
إن دوام الحال من المحال، وهي قاعدة أساسية في الحياة والعمل. ولما كانت التجربة الديمقراطية في العراق جاءت بتأثير وتدخل خارجي، فمن الطبيعي أن يعتريها كثير من الأخطاء، وهو ما يحصل الآن. لكن المقاطعة ليست الخيار الصحيح، ولو في الوقت الحالي.
إننا بحاجة ماسة إلى توسيع المشاركة في الانتخابات وتقليص جبهة المقاطعين على حساب دعاة التغيير الطارئين؛ لأن الأول يريد التغيير لكنه يمتنع عن ممارسة حقه الدستوري. ولو توفر له الأمل بالتغيير، وصَلُح البديل، وتحسنت معيشته، لتدافع إلى صناديق الاقتراع عند أقرب فرصة.
إن التغيير الناجح للوضع والمشهد السياسي يأتي ضمن أطر الديمقراطية وشروطها عبر صناديق الاقتراع حصريًا، لكن مع التدقيق والتمحيص بالمرشح، واختيار الكفوء النزيه المهني المستقل. فهو الطريق الأسلم للتغيير حاليًا، وإن كان نسبيًا وقد لا يؤثر في المشهد العام للدورة المقبلة، لكنه أفضل وأسهل من التغيير السريع الذي قد يودي بالبلاد إلى أتون وضع لا يعلمه إلا الله.