من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهيمنة
لا يمكن اختزال حديث ترامب عن غرينلاند في نزوة جغرافية أو خطاب شعبوي، إذ ينبغي فهمه كجزء من إعادة رسم خريطة السيطرة العالمية في لحظة يتآكل فيها التفوق الأميركي التقليدي أمام الصعود الصيني.
لم تكن العملية الأميركية التي جرت في كراكاس مجرد "ضربة جراحية" أو مغامرة أمنية معزولة، إذ شكّلت لحظة كاشفة لجوهر السياسة الخارجية التي يتبنّاها دونالد ترامب في ولايته الجديدة: سياسة تقوم على نزع القناع الأخلاقي عن القوة، وإعادة العالم إلى منطق الهيمنة الصلبة، حيث لا شرعية إلا للغلبة، ولا قانون إلا موازين السلاح.
إن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة من قلب عاصمته، في عملية عسكرية ليلية، لا يمكن قراءته إلا باعتباره إعلانًا صريحًا عن نهاية ما تبقى من وهم "النظام الدولي القائم على القواعد". هنا يصبح قول كارل شميت، فقيه السياسة الألماني، بالغ الدلالة "السيّد هو من يقرر حالة الاستثناء". ترامب، بهذا المعنى، لا يتجاوز القانون الدولي فحسب، وإنما يتصرّف وكأنه لم يعد قائمًا أصلا.
منذ صعوده الأول، لم يُخفِ ترامب احتقاره للمنظمات الدولية، ولا ازدراءه للتحالفات التقليدية، ولا نظرته للعالم كسوق مفتوحة تُدار بعقلية الصفقة. غير أنه اليوم يذهب أبعد من ذلك، إذ ينقل الواقعية السياسية من إطارها العقلاني إلى ما يمكن تسميته بالواقعية المتوحشة، حيث تُمارس القوة لا بوصفها أداة توازن، وإنما كاستعراض فجّ للهيمنة. في هذا السياق، لم يكن غزو فنزويلا مجرد عملية عسكرية محدودة، وإنما رسالة ردع نفسية، مفادها أن واشنطن لم تعد ترى نفسها ملزمة بتبرير أفعالها، لا أخلاقيا ولا قانونيا.
وإذا كانت سابقة فنزويلا قد مرت من دون كلفة دولية حقيقية، فإن منطق الدومينو يبدو شبه حتمي. لا يمكن اختزال حديث ترامب عن غرينلاند في نزوة جغرافية أو خطاب شعبوي، إذ ينبغي فهمه كجزء من إعادة رسم خريطة السيطرة العالمية في لحظة يتآكل فيها التفوق الأميركي التقليدي أمام الصعود الصيني. فغرينلاند ليست مجرد جزيرة متجمدة في أطراف العالم، وإنما خزان للثروات الاستراتيجية وبوابة حيوية للقطب الشمالي، حيث ستُعاد صياغة موازين التجارة والحرب مع ذوبان الجليد وفتح الممرات البحرية الجديدة، أي مع انحسار الصفائح الجليدية بفعل تغيّر المناخ، ما يجعل مناطق كانت مغلقة تاريخيًا قابلة للملاحة والاستثمار والصراع. يفكر ترامب هنا بعقلية الإمبراطوريات القديمة: من يسيطر على الموارد والممرات، يسيطر على المستقبل، مستعيدا، بوعي أو من دونه، منطق هالفورد ماكيندر حول السيطرة على قلب العالم.
وبخصوص أميركا اللاتينية، وتحديدًا كولومبيا والمكسيك، تتكرر المعادلة ذاتها: شيطنة داخلية للأنظمة أو للمجتمعات، تبرير أمني قائم على المخدرات والهجرة، ثم تلويح بالتدخل المباشر أو غير المباشر. غير أن هذه الذرائع الأخلاقية تخفي هدفًا أعمق، يتمثل في إعادة إحكام القبضة الأميركية على موارد المنطقة بعد سنوات من التراخي النسبي. الأخطر في هذا السياق أن ترامب لا يتردد في تهديد حلفاء تقليديين، ما يعني أن مفهوم التحالف ذاته يفقد معناه، وأن العالم يتجه نحو سياسة افتراس مفتوح، حيث لا فرق جوهري بين الصديق والخصم.
أما إيران، فتظل العقدة المركزية في هذه الرؤية، والساحة التي تتقاطع فيها الحسابات الأميركية والإسرائيلية بأوضح صورها. لا ينظر ترامب إلى طهران بوصفها دولة فحسب، وإنما بوصفها رمزًا لتحدي الإرادة الأميركية في الشرق الأوسط، ونقطة كسر محتملة لمنطق الهيمنة الأحادية. تهديداته المتكررة، وضرباته السابقة للمنشآت النووية، والتنسيق الوثيق مع إسرائيل، كلها مؤشرات على أن السنوات القليلة المقبلة قد تشهد مواجهة أوسع، سواء بشكل مباشر أو عبر حروب بالوكالة. ولا أقصد بالسنوات القليلة المقبلة ما تبقّى من ولاية ترامب الدستورية، وإنما المدى الزمني القريب لمسار الصراع الذي يطلقه ترامب ويؤسّس له، سواء اكتمل في ولايته أو انفجر بعدها. ففي السياسة الدولية، خصوصًا في ملفات كإيران، لا تُقاس القرارات بعمر الرئيس، ولكن بعمر الديناميات التي يطلقها. والحال أن الصراع هنا لا يبدو صراع حضارات كما صوّره صموئيل هنتنغتون، وإنما صراع سيادة، بين قوة ترفض التراجع، ودولة ترفض أن تكون أداة في يد النظام الأميركي.
وفي خضم هذا المشهد، لا يقف العالم العربي خارج المعادلة. ما جرى في فنزويلا، وما يُلوّح به تجاه إيران، يحمل رسالة واضحة إلى المنطقة العربية مفادها أن السيادة باتت أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأن التحالف مع واشنطن لا يمنح بالضرورة حماية، وإنما قد يتحول إلى أداة ابتزاز دائم. ليس عداء ترامب للعرب مسألة انفعال أو خطاب انتخابي، وإنما عداء بنيوي يرى في المنطقة مصدر طاقة ينبغي ضبطه، وساحة أمنية ينبغي إخضاعها لمنطق التفوق الإسرائيلي، وسوقًا مفتوحة للسلاح، وأنظمة سياسية يُراد لها أن تبقى في حدود الطاعة لا الشراكة. أي محاولة عربية للاستقلال الاستراتيجي، أو تنويع الشراكات الدولية، أو كسر احتكار القرار الأميركي، قد تُواجَه بالمنطق ذاته الذي وُوجهت به فنزويلا، وإن اختلفت الأدوات.
نحن، إذًا، أمام لحظة انتقال تاريخية كبرى، ينتقل فيها العالم من منطق القانون الدولي إلى قانون القوة العارية، ومن التعددية الشكلية إلى الانفراد الصريح، ومن الدبلوماسية إلى الإكراه المباشر. ليس دونالد ترامب سبب هذا التحول بقدر ما هو تجسيده الأكثر فجاجة ووضوحًا، التعبير الصريح عن عالم يفقد صبره، وعن إمبراطورية تشعر بأن الزمن لم يعد يعمل لصالحها. وكما قال أنطونيو غرامشي ذات مرة "العالم القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش"، ويبدو أن ترامب، في هذه اللحظة التاريخية، أحد أكثر هذه الوحوش تعبيرًا عن روح الفراغ نفسه.