البرهان يقيد خدمات 'الواتساب' لمنع كشف الانتهاكات الحقوقية

جهاز تنظيم الاتصالات والبريد في السودان يقرر تعليق خدمة الاتصالين الصوتي والمرئي في واتساب بذريعة حماية الأمن القومي والمصالح العليا للسودان.
القرار يأتي في وقت تواجه فيه السلطات السودانية اتهامات متصاعدة باستخدام القوة المفرطة

الخرطوم - أعلن جهاز تنظيم الاتصالات والبريد في السودان، يوم الأحد، تقييد بعض خدمات تطبيق المراسلة الفورية "واتساب"، في قرار هو الأول من نوعه في البلاد، وسط تصاعد الانتقادات الحقوقية لأداء الحكومة والجيش، خاصة ما يتعلق بانتهاكات مزعومة بحق المدنيين.
ووفق بيان صادر عن الجهاز، فإن القرار يقضي بـ"تعليق خدمة الاتصالين الصوتي والمرئي" عبر "واتساب" بدءًا من يوم الجمعة المقبل، مشيرًا إلى أن الإجراء يأتي ضمن ما وصفه بـ"التحوطات الأمنية"، بهدف حماية "الأمن القومي والمصالح العليا للسودان".
بينما تبقى الرسائل النصية والمراسلات عبر المجموعات متاحة دون قيود، فإن قرار حجب الاتصال الصوتي والمرئي أثار تساؤلات حول توقيته، لا سيما أنه يتزامن مع تزايد التقارير الميدانية التي توثق انتهاكات بحق المدنيين في عدد من المناطق، وخصوصًا في دارفور، وجنوب الخرطوم، وجنوب كردفان.
ويأتي القرار في وقت تواجه فيه السلطات السودانية اتهامات متصاعدة باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك مزاعم باستخدام أسلحة محرمة دوليًا، مثل السلاح الكيماوي، وفق تقارير نشرتها منظمات حقوقية دولية خلال الأسابيع الماضية.
ويشير مراقبون إلى أن تقييد خدمات "واتساب"، الذي يُعد من أبرز الوسائل التي يستخدمها النشطاء المحليون والإعلاميون والمواطنون لتوثيق ونقل الانتهاكات، يبدو محاولة للحد من تدفق المعلومات وتضييق الخناق على شبكات المراقبة المدنية والإعلامية.
ويعتقد أن الخطوة تهدف إلى عزل الداخل السوداني عن الخارج، ومنع انتشار صور ومقاطع توثق ما يجري من انتهاكات ميدانية في مناطق النزاع فالقرار ليس منعًا لخطر أمني فعلي، بل محاولة للسيطرة على الرواية الرسمية وتقييد مصادر المعلومات البديلة".
وقد قوبل قرار تقييد "واتساب" قوبل بانتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره عدد من الصحفيين والنشطاء شكلًا من أشكال الرقابة الرقمية وتكميم الأفواه في زمن الحرب، بدلًا من الشفافية.
وحذّرت منظمات حقوقية من أن التضييق على أدوات الاتصال يزيد من مخاطر ارتكاب انتهاكات دون رقيب، ويعرقل عمل الجهات الإنسانية والرقابية في الوصول إلى المتضررين أو توثيق الحالات الحرجة.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتهمت منظمات دولية الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" بارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها استهداف أحياء سكنية مأهولة بالقصف، وتهجير قسري لمئات العائلات، إلى جانب تقارير غير مؤكدة عن استخدام أسلحة محظورة دوليًا وسط قرار أميركي بفرض عقوبات.
في بيانه، اعتذر جهاز تنظيم الاتصالات للمواطنين عما وصفه بـ"الاضطرار لتقييد بعض الخدمات"، وشكر المستخدمين على "تغليب مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية"، إلا أن لغة البيان لم تخفِ حقيقة أن القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية.
ويرى محللون أن تغليف هذا التقييد بمبررات أمنية لا يلغي دلالته السياسية، خصوصًا أنه لم يُعلن عن تهديدات محددة تبرر الخطوة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تعتيم إعلامي مقصود على ما يجري في مناطق النزاع.
ويُعد تطبيق "واتساب" من أكثر أدوات الاتصال استخدامًا في السودان، حيث يُعتمد عليه بشكل واسع في التنسيق المجتمعي، والإغاثة، والتوثيق، ونقل الأخبار في ظل ضعف البنية الإعلامية التقليدية.
وفي ظل النزاع المستمر منذ أكثر من عام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتحرك السلطات الرسمية نحو مزيد من الرقابة والقيود على الفضاء الرقمي. قرار تقييد "واتساب"، وإن بدا محدودًا في ظاهره، يعكس مأزقًا أعمق في علاقة السلطة بالمجتمع، ويثير القلق من تحول الرقابة الرقمية إلى أداة إضافية في سياق الحرب.