البورتريه: رحلة الضوء إلى عمق الروح
في عالمٍ سريعٍ متعدد الزوايا واللقطات، يشكل فنّ البورتريه أو الصور الشخصية أحد أهمّ ما يتمّ تناوله في صفحات المجلات ومنصات السوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية. لذلك يشكّل فنّ تصوير البورتريه من أهمّ وأبرز فنون تصوير الإنسان منذُ القِدم وإلى الآن، حيث بدأ منذ عهد الفراعنة حين بدأوا بتحنيط أجساد الملوك والنبلاء، وبالأخصّ الوجه كي يبقى محافظًا على الشكل والملامح التي كانوا يتميزون بها.
"البورتريه" في التصوير لم يعد مجرد صورة شكلية لوجه إنسان، وإنما أصبح حالة أشبه بالكشف عن جماليات هذا الوجه أو الجسد، حين يشمل التصوير جسد الموديل بالكامل أو اختيار أجزاء منه لغرض جمالي. هو لم يعد مجرد حالة توثيقية في لحظة معينة، بل تحوّل إلى رحلة في قراءة ملامح وجه الإنسان وجسده.
وكأنّ هذا الإنسان كائن مجهول بصريًا للمصور يحاول إعادة اكتشافه من جديد، أو هو كون قائم بذاته، ومهمة المصوّر هي سبر أغوار هذا الكون وكشف ما فيه من جماليات وملامح غير ظاهرة للعين المجردة.
لذلك يستعين المصور المحترف بتقنية الضوء التي تُستخدم مع الكاميرا ليُبرز، من خلال سقوط أشعة الضوء والظلال الناتجة عن التموجات الشكلية للجسد، بعض الجماليات المختبئة خلف تلك الإضاءة والظلال واستدارات الوجه والجسد. لذلك يحتاج فنّ تصوير البورتريه إلى خبرةٍ وحسٍّ عالٍ وقراءةٍ عميقةٍ في قسمات وملامح الوجه وباقي تفاصيل الجسد التي تدلّنا وتأخذنا إلى قراءات يكتشفها المصوّر والإنسان صاحب الصورة معًا، سواء كان موديلًا أو إنسانًا عاديًا.
الوجه خريطةٌ نهائية لمعرفة الروح التي تقبع خلفه، فالعين ليست مجرد عضو إبصار في الوجه، وإنما للفنان المصوّر تشكل العين نافذةً يطلّ منها إلى ما يسكن روح الإنسان وما فيه من جمالٍ شكلي وروحي، فتكون نافذةً للاتصال به ولمس وجدانه. فكلّ نظرةٍ منها تعطي للصورة انطباعًا مختلفًا؛ فهناك نظرة مبتسمة تعطي روحًا إيجابية لما يحيط بذلك الإنسان، وهناك نظرة حزنٍ تجعل الصورة يسكنها الحزن وكأنّ ضوء الصورة أصبح خافتًا، وكذلك نظرة الغضب أو نظرة التفاؤل والتشاؤم.
من هنا يحاول المصوّر المبدع أن يمسك بمفاتيح الصورة ويقرأ ما يسكن خلف قسمات وملامح الوجه، فالابتسامة الساحرة تمضي بنا من خلال زاوية معينة للشفاه إلى عالمٍ مليء بالطاقة الإيجابية وسرور الروح. والحال ذاته إذا تحدّب الجبين والتقطنا صورةً لشخصٍ بشكلٍ تلقائي وهو في حالة زعل، تصبح الملامح مختلفة والطاقة المنبعثة سلبية.
المصور أشبه بالمستكشف الذي لا ينتظر اللحظات والملامح الوقتية التي تظهر على وجه وجسد الإنسان لحظة فرحه أو حزنه وحسب، وإنما هو الذي يترقب تلك اللحظات التي يمرّ بها الإنسان في الصمت والهدوء عند التصوير ليسبر أغوار تلك الملامح، ويحاول أن يقرأ قراءة بصرية مختلفة عمّا يظنه الإنسان العادي.
فواجب المصور أن يعطي مساحة آمنة من الثقة، يسمح فيها للشخص بأن يكون هو "نفسه" حتى تنكشف وتظهر تلك العوالم الخفية التي تسكن خلف قسمات الوجه. فالضوء والظلّ يصبح تعاقبهما على قسمات وملامح الوجه والجسد أشبه بـ"السكانر" الذي يقرأ الكود الخفي الذي يرقد بين جنبات الملامح، فالمصور الذكي لا يصوّر ما تراه العين بل ما تخبّئه الروح.
مهمة المصوّر ليست أن يجعل الإنسان يبدو جميلًا، بل مهمته الكشف عن الجمال الذي كان ولا يزال موجودًا دائمًا في الإنسان، لكنه خفيّ ينتظر من يكتشفه. هنا تكمن أهمية التصوير وأهمية أن يمتلك المصوّر عينًا لمّاحة قادرة على قراءة ما يسكن خلف القسمات وينأى عن الكشف أمام عيون الناس العابرين، وأحيانًا حتى الإنسان صاحب الصورة يجهل مقدار ما يملك من مكامن الجمال وكيف تصبح بعض الندوب والملامح الفارقة في جسده نقاط قوةٍ وجمال، لكنه لم يكن يدرك ذلك! فمن هنا تأتي أهمية التصوير حين يبصّرنا بمواطن الجمال التي كنا نجهلها في ملامحنا وأجسادنا، وأحيانًا كنا نشعر بالخجل من إبرازها للناس.
في التصوير، هناك حالة منفعية متبادلة بين المصوّر والشخص الذي يُصوَّر، فالمصوّر يكتشف جمالًا خفيًا يرقد خلف الملامح أو الملابس التي تخفي جماليات الجسد، والإنسان المصوَّر يكتشف جانبًا من نفسه لم يكن يدركه من قبل. فالعلامات والندوب قد يعتبرها الإنسان المصوَّر عيوبًا، بينما يراها المصور المبدع حروفًا للغة بصرية يعيد تشكيلها من جديد بالضوء والظلّ وبزوايا معينة، ليجعل منها إضافات جمالية لجسد الإنسان المصوَّر.
المصور الناجح لا يجيب على سؤال "كيف كان مظهرك؟"، بل يطرح أسئلة جديدة: "من أنت؟" وما القصة التي خلفك؟ هو اكتشاف الذات أمام عين المصوّر.