البورتريه كمرآة للروح.. رسامون رسموا أنفسهم
لا يزال يشكل البورتريه حقل تجارب ذاتية لكثير من الفنانين والمصورين، حين يحاولون الولوج بأنفسهم في أعماق هذه التجربة الذاتية التي تمنحهم الحرية الشخصية للتجريب وسبر أغوار الروح وانعكاساتها من خلال تغير تعابير الوجه، الذي يعد مرآة صادقة لما يشعر به الإنسان وروحهُ. فـتاريخ الفن مليء بالوجوه، لكن أكثرها صدقاً تلك التي رسمها الفنانون لأنفسهم.
فالبورتريه الذاتي ليس مجرد تمرين تقني يلجأ إليه الفنان في أوقات فراغه لتحرير طاقة لونية أو قيمة شكلية، وإنما هو محاولة لالتقاط لحظة وعي، أو مواجهة داخلية مع النفس لاكتشاف شيء من مكنوناتها وتجلياتها حين يعمد إلى تتبع الخطوط والمسامات. وهو يسلط الضوء عليها ليتجلى لهُ شيء من تعبيرات الروح التي علقت بين مسارات تلك الخطوط وظلالها.
فمن خلال تتبع مسارات الزمن بين خطوط "رامبرانت" العميقة، إلى تقلبات النفس ومواجعها في بورتريهات "فان جوخ"، وصولاً إلى التجريب والتكثيف والتشظي في محاولات "بيكاسو"؛ نحاول أن نكتشف أهمية تجارب البورتريه الذاتي لأهم ثلاثة فنانين رسموا أنفسهم عبر تاريخ الفن.
رامبرانت: مواجهة الزمن والذات
يعد الفنان الهولندي الشهير رامبرانت من أشهر الفنانين الذين رسموا أنفسهم بكثرة، ويقدر الخبراء أن رامبرانت رسم نفسه في أكثر من سبعين بورتريه ذاتي خلال مسيرته الفنية. ويبدو أن رامبرانت كان يعود لرسم نفسه بين فترة وأخرى، ليحاول أن يلتقط ما تجود به تقاسيم وجهه من تعبيرات وانطباعات هي بالضرورة انعكاس لما يمر به الفنان من ظروف حياتية.
إن أكثر ما ميز أسلوب رامبرانت الفني هو اعتماده على استخدام تقنية "الكيارسكورو"، وهي تقنية فنية تعمل على إبراز قوة التباين بين الضوء والظل حين يسقط الضوء على الأجسام والأشكال. وحين استخدمها رامبرانت في أعماله الفنية -خصوصاً في رسم البورتريه- كانت تعطيه ميزة لإبراز العمق الدرامي لتعابير الوجه وتبيان الشعور والإحساس الذي يشعر به حين يرسم نفسه أو حين يرسم الآخرين. ومن المفارقة الفنية أنهُ تم اكتشاف أن رامبرانت كان يرسم نفسه داخل لوحات الآخرين؛ أي أنه حين كان يرسم عملاً فيه مجموعة من الأشخاص، كان يرسم نفسه ضمن الحشود أو الأشخاص الموجودين في المشهد ليكون وجوده أشبه بشاهد على الحدث، ولم يتم اكتشاف ذلك من قبل النقاد إلا بعد سنوات من وفاته.
الملفت في تجربة رامبرانت هو قدرته على التجريب المستمر لتقنيات مختلفة في إنشاء العمل الفني، منها استخدامه الإبرة لإنشاء خطوط عميقة في رسم العمل الفني كالوجه، أو إبراز تفاصيل مهمة لمشهد العمل، وتلك التقنية حين كان يستخدمها كانت تعطيه قدرة وبراعة في ترجمة التعبير الذي يريد إيصاله للمتلقي. حين نشاهد أعمال رامبرانت، وخصوصاً البورتريه الذاتي، نرى كيف أن الفنان جعل من رسم نفسه خلال سنوات حياته واحدة من التجارب الذاتية لمراقبة أثر الزمن وأحداث الحياة من حب وفقد وحرمان في تعبيرات الوجه والتغيرات التي تحدث نتيجة لذلك. فهو يستخدم قوة التباين بين الضوء والظل وخطوطاً عميقة حين تكون هناك فترة قاسية يمر بها لإظهار تلك التعبيرات القاسية، بينما يعمد إلى استخدام الإضاءة الخفيفة مع اندماج تدريجي غير صادم بين الظل والضوء حين يكون الوجه فرحاً مستبشراً.
البورتريه مرآة للقلق عند فان جوخ
يأخذ البورتريه عند "فان جوخ" مساراً موجعاً؛ فهو منذ بداياته في الرسم (منذ سنة 1882 إلى 1885) ركز في رسم طبقات المجتمع الكادح من فلاحين وعمال. وتعد هذه الفترة من أنشط الفترات الزمنية في التجريب واكتشاف الوجه الإنساني وتعبيراته. وقد رسم فان جوخ نفسه في أكثر من 37 بورتريه ذاتي، سواء كان عملاً لونياً متكاملاً أو تخطيطاً بدون ألوان.
لجأ فان غوخ إلى البورتريه الذاتي لعدة أسباب؛ منها مادية بسبب حالة العوز وعدم بيع أعماله الفنية، فلجأ إلى رسم نفسه لتوفير الحاجة إلى رسم "موديل" ودفع المال له، ومنها أسباب ذاتية وفنية بسبب أن الفنان أحياناً يكون بحاجة إلى دراسة انعكاس الحالة النفسية في تعبيرات الوجه وما يرافق ذلك من حدية وانقباض وانبساط الملامح. هو هنا ليس بصدد أن يرسم الوجه كوجه إنساني جمالي، بقدر ما يحاول أن يغوص في أعماق الوجه وما تسكنه من تعبيرات نفسية وأثرها في تغيير ملامح الوجه وهو يعيش حالة نفسية وجدانية أو عاطفية معينة.
وكلنا نعلم ما مرَّ به فان غوخ من تقلبات عاطفية واجتماعية عاصفة، كما حدث حين قام بقطع جزء من شحمة أذنه، فرسم لنفسه البورتريه المشهور وهو يضع قطعة قماش حول أذنه. قال ذات مرة: "يقول الناس – وأنا على استعداد لتصديق ذلك – إنه من الصعب معرفة الذات، ولكني أقول من الصعب رسم الذات أيضاً". هذا التعبير يدل على صعوبة أن يرسم الفنان نفسه في لحظات الغضب أو الحزن، لأن الحالة الإبداعية في الرسم تحتاج إلى أعلى مراحل الانسجام النفسي كي يستطيع التحكم بحركات الفرشاة والوصول إلى حالات البناء الهرموني والتضاد اللوني المبهر. إن أغلب النقاد يعودون إلى دراسة بورتريهات فان جوخ ليدرسوا حالاته الانفعالية من خلال الألوان وقوة ضربات الفرشاة؛ لذا تعد بورتريهاته الذاتية أشبه بسلسلة من حياته اليومية المحشونة بالعاطفة والخيبات المتكررة.
الاختزال والتكثيف الشكلي عند بيكاسو
يعد بيكاسو من أشهر وأهم من رسم البورتريه، ويمثل رسمه لنفسه نافذة تكشف لنا تحولاته الفنية وسيرته الجمالية. بدأ بيكاسو برسم نفسه في سن مبكرة (بعمر الخامسة عشرة)، واستمر في ذلك عبر مراحله الفنية المختلفة. ويشير أغلب الباحثين إلى أن أهم مرحلة رسم فيها بيكاسو البورتريهات كانت في "المرحلة التكعيبية" بسبب ما وصل إليه من نضج فني.
في كل مرحلة، كان وجه بيكاسو شاهداً على التحولات المهارية؛ حيث نرى ذلك في "الفترة الزرقاء" أو "الفترة الكلاسيكية" وصولاً إلى "التكعيبية المجردة" التي استخدم فيها أعلى مراحل الاختزال والحذف وتكوين الزوايا الحادة. كانت المرحلة التكعيبية من أهم المراحل التي جعلت بيكاسو يذهب بمغامراته إلى أبعد نقطة في التجريب. فبينما المتعارف عليه أن معايير البورتريه يجب أن تحمل شبهاً واقعياً، مضى بيكاسو بعبقريته لتغيير النسب الواقعية للوجه. البورتريه الذاتي لبيكاسو يمثل تاريخاً بصرياً لتحولاته، وهو عنده ليس توثيقاً بقدر ما هو هوية متغيرة باستمرار مع التقدم بالعمر والتجربة.

