التاريخ السري للبراءة: من التزكية إلى التكفير

في المحصلة، يتضح أن مسار البراءة ليس خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من التوترات بين الذات والجماعة، بين العقيدة والضمير، وبين التزكية والتكفير.

لطالما شغل مفهوم "البراءة" حيّزًا في الوعي الديني الإسلامي، فقد ظهر أحيانًا كفضاء لتزكية النفس وتطهير القلب من شوائب الشرك، وأحيانًا أخرى كأداة لوضع الحدود: “من معنا” و”من ضدنا”. هذا التذبذب لم يكن عرضيًا، بل كان انعكاسًا لتحولات في علاقة الإنسان بالدين، والضمير بالعقيدة.

لفهم هذا التبدل، لا بد من تتبّع الرحلة التاريخية التي خاضها مفهوم البراءة، منذ أن كان انفعالًا روحيًا فرديًا، إلى أن غدا أداة حادة بيد الصراع العقائدي والسياسي.

أولًا: البراءة الذاتية: في بدايات الإسلام، كانت البراءة تُفهم في مستويين متداخلين: الأول عقدي، تمثّل في القطيعة مع الشرك كأحد تجليات التوحيد. والثاني روحي-أخلاقي، يدعو المرء إلى التخلي عن الولاءات الباطلة، ومقاومة الشهوات والهوى. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عن هذه الرؤية بقوله: “من عرف نفسه فقد عرف ربه” و”من علم عيوب نفسه ستر عيوب الناس”. والبراءة هنا مرآة تعكس صراع الإنسان مع ذاته، لا مع غيره.

ثانيًا: البراءة الدموية: الانحراف المبكر للمفهوم اتضح في معركة النهروان (38 هـ)، حين حوّل الخوارج البراءة من تربية روحية إلى سلاح دموي. لم يعد الخلاف مع الإمام علي مجرد اختلاف سياسي فحسب، بل عُدّ عدوًا منحرفًا عن الإيمان في تصورهم. وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته، حين وصف هذه المرحلة بأنها البداية الحقيقية لاستباحة دماء المختلف. فحين يُقاس الإيمان بالاصطفاف لا بالإخلاص، يتحول الدين إلى أداة استبعاد، تمامًا كما حدث في محاكم التفتيش.

ثالثًا: البراءة الكلامية: مع صعود علم الكلام في القرون (3–5 هـ) انتقلت البراءة إلى فضاء الجدل العقائدي، متجاوزة بعدها الروحي، وظهرت كأداة لضبط الجماعة، لا كوسيلة لترقية النفس. وقد مثلت أزمة “خلق القرآن” مثالًا بارزًا للصراع بين المعتزلة وأهل الحديث، لكنه تعدّى النقاش الفلسفي ليُستخدم في فرز الناس بين “مؤمنين” و”زنادقة”. وفي تلك اللحظة، بدأت المذاهب بتبني خرائط دقيقة لتحديد من ينتمي إلى الجماعة ومن يُقصى منها، وغدا الاختلاف في الاجتهاد أو التأويل مدخلًا للتكفير. بهذا لم تعد البراءة من الشرك، بل صارت براءة من المسلمين المخالفين.

رابعًا: البراءة المؤسساتية: لم يقتصر الأمر على الجدل النظري، بل تسلل المفهوم إلى هياكل السلطة، ليتحول إلى أداة قمع سياسي. فمع صعود دول ومذاهب معينة، أصبح إصدار فتاوى التكفير سلاحًا مشروعًا في يد الحكام لتسوية حساباتهم مع الخصوم السياسيين وتصفية المعارضة تحت غطاء شرعي. وهكذا، نُزعت البراءة من حيز النقاش العقدي لتصير قرارًا إجرائيًا تُسحب بموجبه الحماية عن الأفراد والجماعات، وتُستباح دماؤهم وأموالهم، مما وسّع دائرة العنف وأضفى عليه طابعًا مؤسسيًا رهيبًا.

خامسًا: براءة التوازن: وسط هذا التصعيد، برز موقف الغزالي (ت. 505 هـ) في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة كمحاولة جادة لإعادة التوازن. وهو يرى أن الإسلام يثبت بالإقرار المجمل، لا بالخوض في تعقيدات المسائل، وأن الوقوع في الخطأ التأويلي لا يستوجب التكفير. فالعفو أولى من الهلاك، والدماء لا تُستباح بالشبهات. ويمتد هذا المنطق مع الشوكاني (ت. 1250 هـ)، الذي شدّد على أن التكفير ليس من حق أحد دون “برهان أوضح من شمس النهار”. فالحكم بالخروج من الإسلام لا يُبنى على الظن، بل يُضبط بالقطع، لتظل البراءة هنا فعل ضمير، لا إعلان حرب.

سادسًا: براءة الإحياء: مع صدمة المواجهة مع الغرب الاستعماري وبداية عصر التراجع الحضاري، شهد القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان (الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديان) ظهور حركات إصلاحية ودعوية قوية سعت لإحياء "الهوية الإسلامية". أعادت هذه الحركات توظيف مفهوم البراءة كخط دفاع عن الهوية وترسيم فاصل بين الذات المسلمة والآخر المستعمر، وكذلك بين "المتمسك" و"المتغرب" داخل المجتمع نفسه. فتحولت البراءة من جديد إلى أداة لتحديد الهوية والولاء في زمن الانهيار، ومهّدت الطريق للتطبيقات الأكثر راديكالية لاحقًا.

سابعًا: براءة القطيع: في العصر الحديث، أعادت بعض الحركات المتطرفة توظيف البراءة، ولكن بشكل أكثر راديكالية وانتظامًا. وتظهر في أدبياتهم "مراحل البراءة" كخطة إستراتيجية لإعادة تشكيل الوعي:
١- عزل النفس عن المجتمع المنحرف.
٢- إعلان البراءة من الجاهلية.
٣- الحكم على الآخر بالكفر.
٤- تبرير العنف بوصفه تطهيرًا لا قتالًا.
وفي كتابه فرسان تحت راية النبي (2001)، يشرح أيمن الظواهري كيف تتحول البراءة إلى عملية قطيعة شاملة، لا مع الخصوم فحسب، بل مع المجتمع بأكمله، حتى من يشترك معهم في نفس المذهب.

ثامنًا: براءة الضمير: في مقاربة مختلفة تمامًا، يقدّم مرتضى مطهري في كتابه العدل الإلهي تصورًا إنسانيًا للبراءة؛ فرفض الباطل لا يعني إعلان العداء على من يعتنقه، ولا ينبغي أن تُستخدم المفاهيم الدينية كوسيلة لتجريد الإنسان من إنسانيته. حين تتحول المفاهيم إلى أدوات قطع لا تربية، تنقلب من وسائل للارتقاء إلى آليات تقييد ومراقبة. هنا، يضع مطهري معيارًا أخلاقيًا يستدعي الفصل بين الفكرة ومن يحملها، ويفرّق بين المعاند والجاهل، ويعيد البراءة إلى موقعها الطبيعي.

في المحصلة، يتضح أن مسار البراءة ليس خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من التوترات بين الذات والجماعة، بين العقيدة والضمير، وبين التزكية والتكفير. ويبقى السؤال معلّقًا: هل البراءة دليل على محبة الله، أم ذريعة لكراهية الآخر؟ الجواب، على الأرجح، لا يكمن في النصوص وحدها، بل في من يتبناها وكيف يفعل ذلك.