المخالفات المرورية في الكويت: بين فقه العقاب وفلسفة الحق

أن تبني فلسفة مرورية متدرجة، هو استثمار حقيقي في بناء ثقافة مرورية صلبة لا تقوم على الخوف من "الرادار" فقط، بل على قناعة راسخة بقدسية الحياة وحرمة النظام العام.

يتميّز المجتمع الكويتي بنسيج عائلي مترابط، تسوده علاقات قربى وروابط اجتماعية وثيقة. وهذه الخصوصية تفرض فلسفة تشريعية تنبع من داخله، وتخدم قيمه، خصوصًا في المجالات الحياتية كالمرور. فالقوانين، بما فيها أنظمة السير، يجب أن تكون انعكاسًا حكيمًا لطبيعة هذا المجتمع، وليست فرضًا خارجيًا يتجاهل خصوصيته.

من هذا المنطلق، نجد أن التوجه الحالي في معالجة المخالفات المرورية في الكويت، والذي يرتكز بشكل كبير على الغرامات المالية والعقاب بالسجن، يحتاج إلى مراجعة تراعي "الروح المجتمعية". ويتطلب تبني منهج حكيم يعمل على بناء الوعي ضمن سياق تربوي متكامل.

من منظور فلسفة الحق، فإن النظام المروري ليس مجرد مجموعة عقوبات، بل هو بالأساس ترجمة لمبدأ الحقوق المتبادلة بين أفراد المجتمع. فلكل فرد حق في استخدام الطريق، يقابله واجب احترام حق الآخرين في السلامة والحركة.

المخالفة المرورية بهذا المنظور ليست مجرد خرق لإجراء إداري، بل هي انتهاك لهذا التوازن الحقوقي، مما يستدعي استجابة لا تقتصر على العقاب، بل تمتد إلى إعادة تأهيل الوعي بالحق والواجب.

يتطلب هذا المنظور تعديلاً تشريعيًا يقسم المخالفات وفق التصنيف التالي:

الدرجة الأولى: المخالفات التربوية أو التوعوية
تختص هذه الفئة بالمخالفات التي هدفها الأساسي حماية السائق ذاته، ولا تشكل خطرًا مباشرًا على مستخدمي الطريق الآخرين. مثل عدم ربط حزام الأمان (في بعض الظروف)، أو نسيان رخصة القيادة مع وجودها سارية. هنا، يجب أن تكون العقوبة "رمزية" ذات قيمة مالية بسيطة، يكون هدفها الأساسي التذكير والتوجيه، وربطها برسائل توعوية تشرح أهمية الالتزام. هذا النهج يحوّل القانون من شرطي عقابي إلى مرشد، ويعزز الثقافة الذاتية للسلامة.

الدرجة الثانية: المخالفات التأديبية أو التنظيمية
ترتقي هذه الفئة خطوة، وتشمل المخالفات التي تسبب إزعاجًا عامًا أو تعطيلاً للحركة المرورية دون أن تصل إلى مستوى الخطر الجسيم. مثل الوقوف الخاطئ في أماكن تعيق السير، أو التظليل الزائد عن الحد القانوني، أو استخدام المنبهات بشكل عشوائي. عقوبات هذه الفئة يجب أن تكون رادعة بشكل واضح، ولكنها تأديبية وليست عقابية، فتجمع بين غرامة مالية مناسبة وتكليف السائق بدورات توعوية قصيرة تركز على احترام النظام العام وحقوق الآخرين في الطريق.

الدرجة الثالثة: المخالفات العقابية أو الجسيمة
تمثل هذه الفئة قمة الهرم، وتشمل المخالفات التي تستدعي أقصى درجات الحزم، لأنها ترتبط بالاستهتار المباشر بأرواح الناس وسلامتهم. ومن أبرز أمثلتها تجاوز الإشارة الحمراء، والسرعة الجنونية، والقيادة تحت تأثير المخدرات، والسباق غير المرخّص. هذه السلوكيات تشكل انتهاكًا صارخًا للعقد الاجتماعي ولا يمكن التسامح معها. لذا، يجب أن تواجه بعقوبات رادعة تشمل غرامات باهظة، وسحب الرخصة لفترات طويلة، وربما المساءلة الجنائية، لأن الهدف هنا هو إزاحة الخطر عن المجتمع ومعاقبة التهور.

ما أود قوله إن الطريق في الكويت هو امتداد لمجالها الاجتماعي، وتنظيمه يجب أن يحمل بصمتها الحضارية. إن تبني فلسفة مرورية متدرجة هو استثمار حقيقي في بناء ثقافة مرورية صلبة، ثقافة لا تقوم على الخوف من "الرادار" فقط، بل على قناعة راسخة بقدسية الحياة وحرمة النظام العام.

وبهذه الرؤية، نعيد توجيه القانون ليصبح أداة لحماية المجتمع وترسيخ قيمه، فنبلغ السلامة المرورية عبر الوعي قبل الجزاء، وبأسلوب ينسجم مع روح المشروع المجتمعي الكويتي القائم على التسامح والتماسك والمسؤولية المشتركة.