التزامات حماس بين اختبار السياسة وحسابات الإعمار

في حال نجحت حماس في الوفاء بالتزاماتها، فإن ذلك قد يفتح نافذة أمل نادرة لسكان غزة.

مع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق الأميركي عقب عودة الرهينة الإسرائيلي، يدخل المشهد في قطاع غزة منعطفًا بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الاعتبارات السياسية مع الأبعاد الإنسانية، حيث باتت الأنظار تتجه نحو حركة حماس بوصفها الطرف المعني بتنفيذ التزامات واضحة نص عليها الاتفاق، باعتبار أن الوفاء بها يشكل البوابة الأساسية للانتقال من مربع التهدئة الهشة إلى مسار أكثر استقرارًا يفتح المجال أمام إعادة إعمار طال انتظارها.

من المؤكد أن هذا التحول لا يأتي في فراغ، بل في سياق معقد من الضغوط الدولية والإقليمية، حيث تُراهن الولايات المتحدة وشركاؤها على أن تشكّل المرحلة الثانية اختبارًا حقيقيًا لجدّية الأطراف، خاصة حماس، في الالتزام ببنود الاتفاق، بعدما اعتُبرت عودة الرهينة خطوة أولى مهمة لكنها غير كافية لضمان استمرارية التفاهمات أو ترجمتها إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى فتح معبر رفح باعتباره أحد أهم المكاسب المرتقبة من تنفيذ الالتزامات، إذ يمثّل شريانًا حيويًا لقطاع غزة، ليس فقط لعبور الأفراد، بل لإدخال مواد الإغاثة ومستلزمات الإعمار، في ظل دمار واسع طال البنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية، ما يجعل أي تأخير في هذا الملف انعكاسًا مباشرًا على معاناة السكان.

ولا شك أن حماس تدرك أن المرحلة الحالية تختلف عن سابقاتها، فالمجتمع الدولي يراقب بدقة، والضمانات السياسية باتت مرتبطة بسلوك ميداني واضح، لا يقبل التأويل أو المناورة، خاصة أن أي إخلال بالالتزامات قد يعيد المشهد إلى نقطة الصفر، ويقوض فرص التهدئة، ويفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد لا تبدو غزة قادرة على تحمّل تبعاتها.

وهنا أيضا يبرز البعد الإنساني كعامل ضغط متزايد، إذ يعيش سكان القطاع أوضاعًا بالغة الصعوبة، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور الأوضاع الصحية، ما يجعل إعادة الإعمار أولوية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل، ويضع حماس أمام مسؤولية مزدوجة، سياسية وأخلاقية، تجاه المجتمع الذي تحكمه.

كما أن فتح معبر رفح لا يُعد مجرد إجراء تقني، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية أوسع، إذ يرتبط بتفاهمات مع أطراف إقليمية، وعلى رأسها مصر، التي تلعب دورًا محوريًا في إدارة هذا الملف، ما يعني أن التزام حماس بالاتفاق لا ينعكس فقط على علاقتها بالولايات المتحدة، بل على شبكة علاقاتها الإقليمية أيضًا.

وفي الوقت نفسه تسعى واشنطن، من خلال الدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية، إلى تثبيت نموذج يُظهر أن التهدئة المشروطة بالالتزام يمكن أن تفضي إلى مكاسب ملموسة، سواء على صعيد الإعمار أو تخفيف الحصار، في محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، وربط أي انفراجة مستقبلية بسلوك عملي قابل للقياس.

ويبدو أن هذا المسار لا يخلو من تحديات داخلية، إذ تواجه حماس ضغوطًا من قواعدها الشعبية ومن فصائل أخرى، ترى في بعض بنود الاتفاق تنازلات غير مبررة، ما يضع الحركة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على خطابها السياسي التقليدي، والاستجابة لمتطلبات مرحلة تفرضها موازين القوى والواقع الإنساني.

وربما في حال نجحت حماس في الوفاء بالتزاماتها، فإن ذلك قد يفتح نافذة أمل نادرة لسكان غزة، ليس فقط عبر بدء إعادة الإعمار، بل من خلال خلق مناخ أكثر استقرارًا يسمح بإعادة تحريك عجلة الحياة، واستعادة جزء من الثقة المفقودة بين القطاع والعالم الخارجي، بعد سنوات من العزلة والحصار.

أما في حال التعثر، فإن السيناريو البديل يبدو أكثر قتامة، إذ قد يؤدي ذلك إلى تجميد التفاهمات، وتشديد القيود، وعودة لغة التهديد والتصعيد، بما يحمله ذلك من كلفة إنسانية وأمنية باهظة، لا يدفع ثمنها سوى المدنيين، الذين باتوا عالقين بين الحسابات السياسية وصراعات الإرادة.

وفي المحصلة، تقف المرحلة الثانية من الاتفاق الأميركي عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تتحول إلى مدخل فعلي لإعادة إعمار غزة وتخفيف معاناة سكانها، أو أن تبقى مجرد محطة عابرة في مسار طويل من الأزمات المتكررة، حيث تتقدم السياسة على حساب الإنسان، ويظل الأمل مؤجلًا بانتظار التزام يُترجم الأقوال إلى أفعال.