حماس أمام اختبار القيادة.. صراع الأسماء أم أزمة نهج؟

التركيز على اسم القائد المقبل يختزل أزمة حماس في بعدها الشخصي، بينما تتجاوز المشكلة ذلك إلى نمط إدارة كامل، خاصة في ما يتعلق بقيادة الحركة خارج قطاع غزة.

مع اقتراب موعد الانتخابات الداخلية لحركة حماس، عاد الجدل إلى الواجهة حول هوية القائد القادم للحركة، في ظل تداول أسماء بارزة مثل خليل الحية وخالد مشعل بوصفهما مرشحين محتملين لتولي دفة القيادة في مرحلة شديدة التعقيد.

ورغم ذلك، فإن هذا الجدل، على أهميته الشكلية، يبدو في نظر كثيرين مسألة ثانوية مقارنة بالإشكاليات الأعمق التي تعصف ببنية الحركة وأدوار قياداتها، سواء في الداخل أو الخارج، في لحظة تاريخية مفصلية تمر بها غزة وسكانها.

لكن التركيز على اسم القائد المقبل يختزل أزمة حماس في بعدها الشخصي، بينما تتجاوز المشكلة ذلك إلى نمط إدارة كامل، خاصة في ما يتعلق بقيادة الحركة خارج قطاع غزة.

وربما تكون هذه القيادة قد باتت منفصلة إلى حد كبير عن الواقع الميداني والإنساني في القطاع، وتتعامل مع المشهد من زوايا سياسية وشخصية لا تعكس حجم الكلفة التي يدفعها السكان يوميًا. لذلك تتزايد الاتهامات الموجهة لقيادة الخارج بأنها تُعلي من مصالحها الذاتية وحساباتها الخاصة، سواء المرتبطة بالنفوذ أو العلاقات أو حماية الدوائر القريبة منها، على حساب المصلحة العامة لسكان غزة.

هذا الانطباع، الذي ترسّخ لدى شريحة من الفلسطينيين، يعمّق فجوة الثقة بين الشارع الغزي وقيادة لا تعيش تداعيات الحرب والحصار، ولا تتحمل بشكل مباشر نتائج القرارات المصيرية المتخذة باسم المقاومة. ذلك أن قيادة حماس داخل قطاع غزة تعمل وفق منطق مختلف تمامًا، يتسم بقدر كبير من الاستقلالية عن قيادة الخارج، سواء في القرار العسكري أو في إدارة المواجهة. إلا أن هذه الاستقلالية، بدل أن تشكل عامل قوة، تحولت إلى عبء ثقيل، خاصة في ظل غياب مؤشرات حقيقية على وجود رغبة جادة في وقف القتال أو البحث عن مخرج سياسي يخفف من معاناة المدنيين.

ويُنظر إلى استمرار القتال، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة، على أنه تعبير عن مأزق استراتيجي أكثر منه خيارًا مدروسًا. فقيادة الداخل، المنشغلة بإدارة المعركة، تبدو غير قادرة أو غير راغبة في مراجعة حساباتها، حتى مع تآكل البنية التحتية، وانهيار مقومات الحياة، وتراجع فرص التعافي في قطاع يرزح تحت الحصار والدمار منذ سنوات.

وتطرح هذه الحالة المركبة تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين قيادتي الداخل والخارج، وحدود المسؤولية السياسية والأخلاقية لكل منهما. فبينما تُتَّهم قيادة الخارج بالتنظير من مسافة آمنة، تتحمل قيادة الداخل عبء القرار الميداني دون أن تملك بالضرورة أفقًا واضحًا لما بعد الحرب، في معادلة تُبقي السكان عالقين بين خيارات محدودة وكلفة مفتوحة.

كما أن الانتخابات الداخلية، بدل أن تشكل فرصة لمراجعة شاملة، قد تتحول إلى عملية شكلية لإعادة تدوير النخبة ذاتها، مع اختلاف في الأسماء لا في السياسات. فسواء تولى خليل الحية أو خالد مشعل القيادة، يبقى السؤال الأساسي معلقًا حول ما إذا كان أي منهما قادرًا على كسر النمط السائد، وإعادة تعريف أولويات الحركة بما يتجاوز منطق الصراع الدائم.

وربما تؤدي هذه الانتخابات إلى تعزيز الانقسام غير المعلن داخل الحركة، بين جناح يعيش في الخارج ويملك أدوات الخطاب السياسي، وجناح يقاتل في الداخل ويدير واقعًا إنسانيًا كارثيًا، دون وجود رؤية موحدة تجمع بين السياسي والعسكري والإنساني في إطار استراتيجي واحد.

وبالتأكيد، لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، حيث تتزايد الضغوط على حماس من أطراف عدة، سواء لجهة ترتيبات "اليوم التالي" في غزة، أو لجهة دور الحركة في أي مسار سياسي محتمل.

وفي ظل هذه الضغوط، يبدو أن أزمة القيادة داخل حماس تعكس عجزًا أعمق عن التكيف مع متغيرات الواقع. كما أن استمرار هذا النهج يهدد بتقويض أي فرصة حقيقية لتعافي غزة على المدى المتوسط، إذ لا يمكن تصور إعادة إعمار أو استقرار دون قرار سياسي واضح بوقف الحرب، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضع حياة المدنيين في صدارة الحسابات، لا في هامشها.

وفي المحصلة، يتضح أن أزمة حماس اليوم لا تكمن في اسم القائد المقبل بقدر ما تكمن في طبيعة القيادة ذاتها، وفي الانفصال بين القرار السياسي والكلفة الإنسانية. فبين قيادة خارجية متهمة بالفساد والانفصال عن الواقع، وقيادة داخلية تُدير المعركة دون أفق، يبقى سكان غزة الخاسر الأكبر في معادلة تتآكل فيها المسؤولية، ويتراجع فيها الأمل.